وإذا كانوا قديمًا قالوا: «إن الضحك بلا سبب قلة أدب» ،فإن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن العبد ليقول الكلمة , لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس يهوي بها أبْعَدَ ما بين السماء والأرض , وإن الرجل ليزِلُّ عن لسانه أشدَّ مما يزلّ عن قدمه) [1] , وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أَلاَ هَلْ عسى رَجُلٌ منكم أن يتكلم بالكلمة يضحك بها القوم , فَيَسْقُطُ بها أبْعَدَ مِن السماء , ألاَ هَلْ عسى رجل منكم يتكلم بالكلمة يُضْحِكُ بها أصَحابَهُ , فَيَسْخَطُ الله بها عليه , لا يرضى عنه حتى يدخله النار) [2] .
ومع ذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَمْزَحُ , ولكن لا يقول إلاّ حقًا , وكان يضحك , ولكن كان جل ضحكه التبسُّم , وكان نهاية
ضحكه أن تبدو نواجذه , أي قواطع أسنانه الأمامية , وليس فيه رفع صوت , ولا قهقهة , ونحوها , ولا ضرب الأرض برجل من الضحك , ولا ضرب رأسه , ولا فتح فاه مثلما يفعله خفيفوا الظل اليوم , ولم يرقص طربًا من شدة الضحك كما يفعله قليلوا العقل اليوم , ولا نحو ذلك , بل كان يَضْحكُ مما يُضْحَكُ منه , وهو مما يُتَعَجَّبُ من مثله , ويستغرب وقوعه , ويستندر , أي يقع على وجه الندرة , وعلى غير العادة , لا أن يستدعى الضحك من المضحكين , وأشباههم , لأن كثرة الضحك تميت القلب , وإن أَبْعَدَ الناس من الله تعالى القلبُ القاسي , وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله , فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب , وإن أبْعدَ الناس من الله تعالى القلب القاسي) [3] .
وأما هؤلاء الفسّاق الذين لا يجدون مادة يضحكون بها أمثالهم سوى آيات القرآن الكريم , أو أحاديث الهادي البشير - صلى الله عليه وسلم - فهؤلاء كفرة فَجَرة , قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم إلى يوم الدين: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [4] .
وأما من يتخذ المؤمنين والمؤمنات مادة للضحك أو السخرية , فمجرمٌ معلوم الإجرام , وقد توعده الله تعالى بالعقاب الأليم في الدنيا والآخرة , فعن بلال بن الحارث المُزَني- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله , ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه , وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله , ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يَكتب الله تعالى له بها سَخَطَهُ إلى يوم يلقاه) [5] .
ثم إن من كَثُر كلامه كَثُر خطؤه , ومن كثر خطؤه كثرت ذنوبه , ومن كثرت ذنوبه , كانت النار أولى به , وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه , مقبلًا على شأنه , حافظًا للسانه , ومن حَسِب كلامه من عمله قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه , ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [6] , وقال - صلى الله عليه وسلم: (كل كلام ابن آدم عليه لا له , إلا: أمرٌ بمعروف , أو نهيٌ عن منكرِ , أو ذكرُ الله) [7] .
وكان - صلى الله عليه وسلم - أفصح العالمين , وأعذبهم كلامًا , وكان إذا تكلَّم تكلم بكلام مفصَّل , مبين , يَعُدُّه العادّ , ولا يَسْرِد الحديث كسرد المتفيهقين , والمتشدقين , والثرثارين في عصرنا , ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه , وإذا كره الشيء عُرِفَ في وجهه , ولم يكن فاحشًا , ولا متفحشًا , ولا بذيئًا , ولا صخابًا , ولا عَيَّابًا , وكان طويل السكوت كثير الصمت - صلى الله عليه وسلم -
فاللهم فقهنا في ديننا , وبصّرنا بزماننا , واحفظ ألسنتنا , واهدنا سبل نبيِّنا, وانصرنا على أعدائنا , واكتب لنا صلاة آمنة مطمئنة في مسجدك الأقصى , واكتب لنا حجًا وعمرة يبدأن من المسجد الأقصى , اللهم آمين.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله بركاته.
الغيبة والنميمة بين النساء خاصة والناس عامة
(1) رواه البيهقي.
(2) رواه أبو الشيخ بإسناد حسن.
(3) رواه البيهقي والترمذي, واللفظ له , وقال: حسن غريب.
(4) التوبة / 65 , 66.
(5) رواه مالك, والترمذي, وقال حديث حسن صحيح, والنسائي, وابن ماجة, وابن حِبَّان في صحيحه, والحاكم, وقال صحيح الإسناد.
(6) صحيح رواه الترمذي.
(7) رواه الترمذي, وابن ماجة, وابن أبي الدنيا.