الصفحة 28 من 55

ثم إن من يضبط نفسه عند اشتداد الفتنة , وقمة الإثارة , فهذا هو الصبر الممدوح في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [1] .

ورمضان شهر الصبر , فإن لم تصبر في هذا الشهر الفضيل , فمتى تصبر؟ يقول لك الهادي لبشير - صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت , وأتبع السيئة الحسنة تمحها , وخالق الناس بخلق حسن) [2] .

وهناك أصناف أخرى من مفتعلي المشاجرات في نهار رمضان بحجة الصيام لنا معهم لقاء آخر.

فاللهم ارزقنا الصبر على بلائك , والرضا بقضائك , والنصر على أعدائك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة , ولا فتنة مضلة , يا رب العالمين.

آمين.

وإلى لقاء آخر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

افتعال المشاجرات لأتفه الأسباب (2)

رأينا في المقالة السابقة: سلوك مفتعلي المشاجرات في الأتوبيسات لأتفه الأسباب , والعلاج الإسلامي , والحل الديني لمثيرات النفوس والأعصاب في وسائل المواصلات , وفي هذه المقالة - إن شاء الله تعالى- نحاول كشف باقي أسباب افتعال المشاجرات في نهار رمضان عند الأصناف الأخرى، مع تقديم الحل الإسلامي الرشيد , والعلاج الديني المفيد في مثل هذه الحالات الآتية:

(1) عند البيع والشراء:

وقد وجد من أسباب افتعال المشاجرات عندئذ ما يأتي:

-بسبب الاختلاف في ثمن السلعة.

-وكذلك بسبب الاختلاف حول جودتها.

-وحول تقليبها واختبارها.

-وحول قبض السلعة وتسليم ثمنها.

-وحول إعادة السلعة إن وُجِدَ بها عيبٌ.

-أو إن وجدها أغلى ثمنًا عن مثيلاتها بكثير أو نحو ذلك.

والرسول الحكيم - صلى الله عليه وسلم - يفْصِلُ في ذلك كله بقوله - صلى الله عليه وسلم: (البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما , وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) [3] , وقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة , فالقول ما يقول ربُّ السلعة , أو يتتاركان) [4] , وقال - صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم , لكن البينة على المدعي , واليمين على من أنكر) [5] .

وننصح المتبايعين معًا بقول الرسول الهادي - صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا , ولا تناجشوا , ولا تباغضوا , ولا تدابروا , ولا يبع بعضكم على بيع بعض , وكونوا عباد الله إخوانًا , المسلم أخو المسلم , لا يظلمه , ولا يخذله , ولا يكذبه , ولا يحقره , التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم , كل المسلم على المسلم حرام , دمه , وماله , وعرضه) [6] .والنجش في البيع: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها , إما لنفع البائع لزيادة الثمن له , أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه , وقال - صلى الله عليه وسلم: (رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع , سمحًا إذا اشترى , سمحًا إذا قضى , سمحًا إذا اقتضى) [7] .

(2) عند مشاهدة مباريات كرة القدم , أو الذهاب إليها , أو الرجوع منها.

وقد وجد من أسباب افتعال المشاجرات عندئذ ما يأتي:

-أنصار الفريق صاحب الأرض يحاولون عرقلة وصول أنصار الفريق الضيف , حتى لا يشجعوا فريقهم , فتحدث المشاجرات حينئذ، وقد تحدث إصابات بالغة في الجانبين.

-أنصار الفريق صاحب الأرض يحاولون تمزيق لافتات ودعاية أنصار الفريق الضيف.

-بعض الصحفيين المتعصبين لأحد الفريقين يثيرون أنصاره بمقالاته المثيرة للأعصاب ضد الفريق الآخر وأنصاره , فيعتدون عليهم عند مرورهم أمامهم في الشارع , أو عند دخول الاستاد , أو الملعب , وقد يعتدون عليهم أثناء اللعب , وبعد اللعب , وهكذا تتحول المباراة- وقد تكون ودية- إلى معركة , والسبب في نشوبها مقالات هذا الصحفي الشيطان.

-بعض بلطجية أنصار الفريقين يثيرون أنصار كل فريق أثناء المباراة ضد الآخر , فيهتفون بأحط الألفاظ , وأبذأ الكلمات ضد الحكام , أو ضد اللاعبين , أو ضد الإداريين , أو ضد الجمهور والمشاهدين , وقد يتعدى أثر تلك الهتافات البذيئة إلى رواد المقاهي فيتشاجرون أيضًا , أو إلى الزوجين في البيت فيتشاجران كذلك , أو إلى المارة في الشوارع فيتشاجرون , وقد تقام المعارك الضارية التي تذهب فيها الأرواح، كل ذلك تعصبًا , دون أن يكون لهم في ذلك ناقة ولا جمل.

(1) الزمر / 10.

(2) رواه الترمذي, وأحمد, والحاكم, والبيهقي, وإسناده حسن.

(3) متفق عليه.

(4) رواه الخمسة وصححه الحاكم.

(5) حديث حسن رواه البيهقي, وغيره هكذا, وبعضه في الصحيحين.

(6) رواه مسلم.

(7) رواه البخاري وابن ماجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت