من العجب العجاب في بلادنا أن ترى الناس يضيقون ذرعًا ببعضهم البعض , في نهار شهر رمضان , ولئن سألتهم عن سر ذلك ليقولن: إنا صائمون!! والصوم غير مألوف لي , وبالتالي تجدني عصبيًا , أثور كثيرًا بسبب وبغير سبب , ولئن قلت له: لماذا لم تدرب نفسك على الصوم قبل رمضان , وقد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يدربون أنفسهم لاستقبال رمضان ستة أشهر قبله , ثم هم يتزودون من رمضان بشحنة إيمانية , وآثار ربانية مُرْضية تكفيهم لستة أشهر بعده , فتكون حياتهم كلها إعداد واستعداد؟ , قال لك: «إنني أصوم رمضان بالكاد (بالعافية) , وأنت تريد أن أصوم قبله بستة أشهر , وبعده ستة أشهر , أنا لا أستطيع ذلك أبدًا» فإن قلت له: لم أقصد ذلك الذي فهمت من استعدادهم- رضي الله عنهم- لشهر رمضان , فإن منهم من كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر عربي , وهي أيام الثالث عشر , والرابع عشر , والخامس عشر , المعروفة بأيام البيض , ومنهم من كان يصوم ثمانية أيام من كل شهر , بمعنى يومين في الأسبوع: الاثنين والخميس , ومنهم من كان يصوم أكثر من ذلك لأنه من السنة ألا تخلي شهرًا عن الصوم , لأن الصوم يدرب الإنسان على حفظ لسانه , وفرجه , وصيانة بصره وسمعه عما حرم الله تعالى , ثم هو يدرب الإنسان على حسن الخلق , وضبط السلوك , وتهذيب الفكر , ويدربه على السخاء , والجود , والكرم , والإيثار , والصبر , وتحمل الأذى , و عدم مقابلة السيئة بالسيئة , ولكن بالتي هي أحسن , قال لك: «هذه أحلام وردية , ما ذنبي حينما أركب الأتوبيس , وأجده مزدحمًا جدًا , وهذا يتكىء بكوعه على كتفي , وذاك يضغط بحذائه على
حذائي ورجلي , وتلك تحاول أن تصرف بصري إليها بفتنتها المثيرة , وعطرها الفواح , وأنا بشر , من لحم ودم , وأخرى تقف من خلفي تحيطني بجسمها كله , ولا تستطيع منها فكاكًا إلا بالسب , أو باللعن , أأتركها حتى أفطر بسببها , وهذه مشاهد متكررة يوميًا في رمضان , وغير رمضان , لذا نحن نصوم رمضان بالكاد» , فإن قلت له: استعمل السيارات الأجرة , قال لك: «ومن أين لي بالأجرة؟ أأنفق راتبي في المواصلات , ولا أجد ما أنفقه على نفسي , أو على أسرتي؟ أم ماذا أفعل؟» .
نقول له: كن من عباد الرحمن الذين وصفهم الله تعالى في سورة الفرقان بصفات كثيرة , ومنها: {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [1] .
ومنها: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [2] .
ومنها: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [3] .
أو كن من المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بقوله:
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ
فاصبر يا أخي صبرًا جميلًا , واهجر أمثال هذه الأماكن هجرًا جميلًا , على قدر استطاعتك , واستغفر الله تعالى من تقصيرك , واستعن بالله تعالى على عجزك عنه , وأخلص لله تعالى في رجائك ودعائك يجبك الله تعالى , كما قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [7] , وقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [8] , وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَ إِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [9] .
(1) الفرقان / 63.
(2) الفرقان / 67.
(3) الفرقان / 72.
(4) القصص / 54 , 55.
(5) الفرقان / 20.
(6) الإسراء / 36.
(7) البقرة / 186.
(8) غافر / 60.
(9) النمل / 62.