قالوا: فكما أن من أوتي إيمانا بلا قرآن فكذلك من أوتي تدبرًا وفهما في التلاوة أفضل ممن أوتي كثرة قراءة وسرعتها بلا تدبر، قالوا: وهذا هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية حتى الصباح!! ... وفي صحيح البخاري: عن قتادة قال: {سألت أنسًا عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: كان يمد مدًا!!} وقال شعبة: {قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة وربما قرأت القراءة في ليلة مرة أو مرتين!! فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إليَّ من أن أفعل ذلك الذي تفعل!! فإن كنت فاعلًا ولابد!! فاقرأ قراءة تسمع أذنيك، ويعيها قلبك!!} وقال إبراهيم: {قرأ علقمة على ابن مسعود - وكان حسن الصوت - فقال: رتل فداك أبي وأمي!! فإنه زين القرآن} وقال ابن مسعود: {لا تهذوا [1] القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل [2] ، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة!!} ..." [3] ... ."
قلت: هذا إذا صلى لنفسه، فما بالكم إذا صلى لغيره؟!
رابعها: ولكثرة القراءة، وطول القيام يتفلت النشطاء منهم من القيام، خاصة في الركعة الأولى من كل ركعتين، ويتعمدون الجلوس خلف الصف، والتحدث معا بصوت عال، فيشغلون المصلين الذين لازموا الإمام، ولم يبرحوا أماكنهم، بل ربما انصرف هؤلاء النشطاء إلى الطعام والشراب يضيعون به الوقت حتى ينتهي الإمام من القراءة في الركعة الأولى، فإذا ركع هرولوا إلى الصلاة، بلا سكينة ولا وقار!!
ثم إن الإمام في كثير من الأحيان يدركه التعب، ويتثاقل في القراءة من شدة الإعياء، ولا يخرجه ذلك من الصلاة، أو تخفيفها، ولربما استعجم القرآن عليه، فلا يدري ماذا قرأ، ولا يدري من خلفه فيما وقف، وهكذا تمر الأوقات تلو الأوقات وهم على هذا الحال، وحسبنا والله ونعم الوكيل!!
قال - صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم [4] القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع!!) [5] .
وقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) [6] ... .
وقال - صلى الله عليه وسلم: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا) [7] .
وقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) [8] .
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأفعال والنيات، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التراخي عن أداء الأعمال المكلف بها الإنسان بحجة الصيام
مِن الناس مَن إذا دخل عليه شهر رمضان , وهو مسند إليه أعمال قد تكون ضرورية جدًا , وقد تكون عامة , ومهمة جدًا , وقد تكون خاصة تتوقف حياة صاحبها عليها , أو على الأقل: إثبات حقه في شيء ما , أو نحو ذلك، من هؤلاء الناس من يعتبر شهر رمضان فرصة للراحة والتراخي , والتكاسل عن أداء المهام المكلف بها بحجة الصيام , وأن الصيام يغير مزاجه , لأنه لم يفطر, أو لأنه لم يتسحَّر , أو أنه يريد أن يدخّن ولا يستطيع التدخين , أو نحو ذلك , وبدراسة أحوال هؤلاء وجد من أسباب ذلك ما يأتي:
(1) السَّهر المتواصل أمام التلفاز حتى الساعات المتأخرة من الليل , أو حتى قبيل الفجر , ينتقل من قناة إلى أخرى , ومن الفيلم إلى المسلسل , أو من الفوازير إلى البرامج , أو من النشرة إلى المباريات , إلى المسرحيات , إلى غير ذلك مما يشحنه التلفاز خاصة في شهر رمضان لجمهور المشاهدين , كأنه يدعوهم إلى السهر , ويعرفهم مواطن الكذب والخداع , ويعلمهم وسائل التراخي والتكاسل , ويأخذ بأيديهم إلى حيث الإهمال والعبث بمقدرات الأمة , إلخ.
(1) الهذ: سرعة القراءة بغير تدبر.
(2) الدقل: الرطب الرديء، ونثره تساقطه بشدة على حين غرة.
(3) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم: 1/ 122 وما بعدها.
(4) استعجم: التبس.
(5) رواه مسلم.
(6) متفق عليه.
(7) متفق عليه.
(8) رواه البخاري.