والتأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل الأحوال، على قدر الاستطاعة، والله الحكيم العليم قال في الحديث القدسي: (ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه) ، وهذا صحابي كريم سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ماذا فرض الله عليه؟ فأجابه المعلم القدوة، والهادي البشير بفرائض الإسلام، وفي كل مرة يقول للرجل: (إلا أن تطَّوَّعَ) ويجيب الرجل صراحة أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى ملأ من الصحابة الكرام:"والله!! لا أزيد على هذا ولا أنقص، ولا أتطوع"فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - معقبًا على صراحة الرجل: (أفلح إن صدق!!) وفي رواية قال: (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) .
لأن النوافل كلها لا تجزئ عن فريضة واحدة، ولا تشفع النوافل كلها لصاحبها إن أهمل فريضة واحد، إذ لا يعقل بحال من الأحوال أن يتكاسل المسلم عن الفريضة إلى حد الاستخفاف بها، وعدم مساواتها بالنافلة في درجة الاهتمام، والاستعداد النفسي والبدني، كما يفعل أمثال هؤلاء.
ثالثها: ثم إن هذه الفئة بعينها، ومن يحذوا حذوها يتعمدون القيام في كل ليلة من رمضان بأكثر من جزأين - أربعة أحزاب - من كتاب الله تعالى، بل ربما تباهى بعضهم أنه صلى في مسجد كذا، الذي يختم القرآن كل أسبوع، وآخر يقول: إنني أصلي في المسجد الفلاني الذي يختمون فيه القرآن الكريم كل أربع ليال!! حتى وصل أمر التباهي في الصلاة بهذه الفئة أن قال أحد الداعين إلى فكرها ومنهجها:"نحن نختم القرآن كل ثلاث ليال!! حيث نصلي العشاء في التاسعة مساء!! - أي: بعد موعد الوجوب بثلاث ساعات على الأقل - ثم نختم الصلاة، ثم ندخل في صلاة القيام، ونستريح بين كل ركعتين خمس دقائق، وبعد الركعة الرابعة نستريح نصف ساعة، حتى ننتهي من الصلاة قريبًا من الساعة الثالثة، ثم نتسحر، ثم نصلي الفجر!! نفعل ذلك في الليالي العشر الأخيرة، أما فيما يسبقها من ليال، فإننا نبدأ صلاة القيام عقب صلاة العشاء في الحادية عشرة مساء - أي: بعد موعد وجوب صلاة العشاء بخمس ساعات على الأقل -".
وأترك لك أخي القارئ الكريم الحكم على هذا السلوك المرفوض.
واعلم أخي الكريم!! أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صام تسع رمضانات، وختم القرآن الكريم كله مرة واحدة فقط في كل شهر من الأشهر الثمانية الأولى، وختمه مرتين فقط في السنة التاسعة، وهي عام 10 هـ، وذلك فيما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -، من أن جبريل عليه السلام كان يدارسه ما نزل من القرآن الكريم في كل عام مرة في شهر رمضان، وفي العام الأخير من حياته - صلى الله عليه وسلم - دارسه جبريل عليه السلام القرآن مرتين، ولنستمع إلى الإمام ابن القيم - رحمه الله - وهو يحكي هديه - صلى الله عليه وسلم - في قيام الليل عامة، فيقول:"وكان - صلى الله عليه وسلم - يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآية يرددها حتى الصباح، وقد اختلف الناس أيهما أفضل: الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟!! على قولين: فذهب ابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهما - وغيرهما، إلى أن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من سرعة القراء مع كثرتها، واحتج أرباب هذا القول بأن المقصود من القراءة: فهمه وتدبره، والفقه فيه، والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: {نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا} ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يفهمه، ولم يعمل به فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامة السهم!!"
قالوا: ولأن الإيمان أفضل الأعمال، وفهم القرآن وتدبره هو الذي يثمر الإيمان، وأما مجرد التلاوة من غير فهم ولا تدبر فيفعلها البر والفاجر، والمؤمن والمنافق!! كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) .
والناس في هذا أربع طبقات:
الأولى: أهل القرآن والإيمان: وهم أفضل الناس.
والثانية: من عُدِم القرآن والإيمان!!
والثالثة: من أوتي قرآنًا ولم يؤت إيمانًا.
والرابعة: من أوتي إيمانا ولم يؤت قرآنا.