ثم إن في عصرنا ظهرت على السطح فئة كالغيم يحول دون نور القمر، يوشك أن ينقشع فيبزغ القمر بنوره، كحاله ليلة تمامه!!
هذه الفئة حاولت التلبيس على الناس أمر دينهم، وابتدعوا في سنة القيام في رمضان أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ذلك ما يأتي:
أولها: تأخير صلاة العشاء عمدًا في رمضان، إلى ما بعد التاسعة مساء، وقد يصل بهم الأمر إلى أن يصلوا العشاء في الساعة الحادية عشرة مساء، أي بعد موعد الوجوب بأكثر من خمس ساعات!! وإذا سألتهم عن سبب هذا التأخير؟! قالوا:"حتى يأتي الأحباب والمريدون من كل المحافظات!!".
وهذا سلوك مرفوض شرعًا وعقلًا، لأن الله تعالى قال: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [1]
وقال تعالى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [2] ، ومعنى ذلك - والله أعلم بمراده - أن الصلاة محددة أوقاتها، معلومة مواقيتها الشرعية، فلا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عن وقتها إلا بسبب شرعي، ومن فعل غير ذلك عمدًا دون عذر فصلاته باطلة إن صلاها قبل ميقاتها، وإن أخرها عن وقتها دون عذر شرعي فهو منافق معلوم النفاق!! كما قال الله تعالى في شأن المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [3] ، ... وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [4] ،
فعد الله تعالى تكاسلهم عن أداء الصلوات في مواقيتها نفاقًا وخداعًا، وهذا واضح جلي، ومعلوم مفهوم.
ولهذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - هَمَّ أن يحرق على المتكاسلين عن الصلاة في مواقيتها في الجماعة الأولى في المسجد بيوتهم، وأن يحرقهم فيها، جزاء وفاقًا على تخلفهم وتكاسلهم، لكنه - صلى الله عليه وسلم - عدل عن ذلك لأنه تذكر أن النار لا يعذب بها إلا رب النار سبحانه وتعالى، لكن يبقى حكم الصلاة في الجماعة الأولى في المسجد، وفي ميقاتها الأول الذي حدده لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمين الوحي جبريل عليه السلام، عن رب العزة سبحانه وتعالى، وأنه فرض عين، كما قال بذلك العلماء المشهود لهم بالكفاية والدراية.
ثانيها: هذه الفئة بعينها، وغيرها ممن حذى حذوها يخففون صلاة العشاء تخفيفًا خلافًا لعادتهم في أدائها في غير رمضان!! وإذا سألتهم لم خالفتم عادتكم في التطويل في أداء هذه الفريضة؟! قالوا: حتى نترك الفرصة لأداء صلاة القيام بحرية ونشاط!!
وإذا قلت لهم: إنكم تؤخرون صلاة القيام فما الداعي للتخفيف بهذه الصورة الغير المألوفة منكم؟! قالوا: إنها السنة!!
وإذا قلت لهم: إن السنة في أداء الفريضة لابد من الالتزام بها في رمضان وفي غير رمضان، لأن من سنها أعلم بها منا، فهو القائل - صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ومعلوم أن: الاتباع خير من الابتداع!! والثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - تطويل الفجر، وتقصير الظهر، وتطويل العصر، وتقصير المغرب، وتطويل العشاء، فما تفعلونه في غير رمضان يوافق هدي النبوة في صلاة العشاء، فلم خالفتموه في رمضان؟! قالوا: هذه أمور خلافية!! ولا يجوز الإنكار في الأمور الخلافية!!
فإذا قلت لهم: أتطيلون الصلاة طيلة العام فإذا جاء شهر التشمير عن ساعد الجد في العبادات والطاعات تكاسلتم؟!! فأي منطق هذا؟! قالوا: نحن نعوض ذلك في القيام!!
وهذا سلوك مرفوض لا يقره الدين الحنيف لأتباعه، لأن الدين الحق يصنع من أتباعه قمم الثبات على المبادئ الصحيحة، والالتزام بها في كل حين، وينأى بهم عن التقلب، والاضطراب، والهوى، ويحصنهم من نوازع السفه والطيش والحمق، ويدعوهم إلى الأخذ بمعالي الأمور، وترك سفسافها، ودعا بالمحافظة على الأوراد، وعدم تضييعها، وما لا يدرك جله لا يترك كله، ومعلوم أن أحب الأعمال إلى الله تعالى: أدومها وإن قل ذلك العمل، فالعبرة بالإخلاص، والمداومة مع حسن الاتباع
(1) من الآية: 103 / النساء.
(2) الآيتان: 13، 14 / طه.
(3) الآيتان:142، 143 / النساء.
(4) الآية: 54 / التوبة.