الكثيرات من الجاهلات من النساء المسلمات يَعْمدْن في شهر رمضان إلى الامتناع عن الطعام والشراب في نهار رمضان وهن حُيَّضٌ , اعتقادًا منهن أن ذلك من التقوى , ومن الورع , ثم إن المتفلسفات منهن يعمدن قبيل المغرب إلى عُودٍ , أو إلى بعض الأرز , أو نحوه فتضعه في فيها على مضضٍ , وتوَدّ أن لو أنها لم تفعل ذلك حتى تفطر مع الصائمين , خاصة مع الأولاد , ومع زوجها , حتى لا تكون بمعزل عنهم!!
وهذا إن دلّ فإنما يدل على سفاهة العقل , وعدم الفقه , واتباع الهوى.
فإن الله عز وجل هو الذي شرع الفطر للحائض و النفساء على لسان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. فعن أبى سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى , أو في فطرٍ , إلى المصلَّى , فَمَرَّ على النساء , فقال: (يا معشر النساء تصدقن , فإني أُرِيتُكنَّ أكثر أهل النار) , فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: (تُكْثِرنَ اللعنَ , وتكْفُرْن العشير , ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أَذْهَبَ لِلُبِّ الرجلِ الحازِم من إحداكُنَّ) , قلن: وما نقصان ديننا , وعقلنا , يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأةِ مثلُ نصف شهادة الرجل؟) قلن: بلى!! , قال: (فذلك من نقصان عقلها!! أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟) , قلن: بلى!! قال: (فذلك من نقصان دينها!!) [1] .
وعن حِمْنَةَ بنت جحشٍ- رضي الله عنها- قالت: «كنت أَسْتَحاضُ حيضةً كثيرة شديدة , فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - استفتيه , فقال: (إنما هي ركضة من الشيطان , فَتَحيَّضي ستة أيام , أو سبعة أيام , ثم اغتسلي , فإذا اسْتَنْقَأْتِ فصلي أربعة وعشرين , أو ثلاثة وعشرين , وصومي , وصلِّي , فإن ذلك يُجْزِئُكِ , وكذلك فافعلي كل شهرٍ , كما تحيض النساء , ... ) [2] .
وعن مُعَاذَةَ قالت: «سألتُ عائشةَ - رضي الله عنها- فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضى الصلاة؟ قالت: كان يُصيبنا ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم , ولا نؤمر بقضاء الصلاة» [3] .
وإن كثيرًا من منكري السنة في عصرنا زينوا للسفيهات في عصرنا الصوم في رمضان , فأطَعْنَهم.
وإن الكثيرين من أدعياء العلم حاولوا أن يستغلوا محدثات الحياة الدنيا , ومخترعاتها فقالوا: بجواز أن تأخذ المرأة أدوية معينة تعمل على تأجيل دورة المرأة الشهرية في شهر رمضان، حتى تستطيع أن تصوم شهر رمضان، دون أن تفطر في أيام حيضتها, لأن الأدوية ستمنع الدم من النزول في موعده!!
وهذه كلها سلوكيات مرفوضة.
فمنكري السنة ملعونون , إن لم يتوبوا , فالله تعالى هو القائل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [4] ,وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [5] .
وأما مبيحوا تأجيل العادة الشهرية في رمضان حتى تتمكن المرأة من الصيام؛ فنقول لهم ما قال الله تعالى لأمثالهم: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [6] .
ونقول للمغيرات خلق الله , والغير قابلات شرع الله , والمتبعات للمضلين: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [7] .
واتقين الله , فإن الله يحب أن تؤتى رُخَصَهُ كما يحب أن تجتنب محارمه , هدانا الله وإياكن سواء السبيل.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قيام رمضان على غير هدي النبوة
إن القيام في رمضان تطوع عظيم، وقربة عظمى، يعرف بها ليل الصائم الخمص البطن، من الصائم الممتلئ البطن!!
فمن أفطر على القليل الحلال استطاع القيام بهمة ونشاط، ومن أفطر على الكثير من الحلال ثبطه ذلك عن القيام، وأقعده عن قيام الليل بالطاعة، فما بالكم بمن يفطر على غير الحلال، قَلَّ أو كثُر؟!
إنه بلا شك لن يفكر في القيام أصلًا، بل ربما أفطر قبل موعد فطره، بل ربما لم يصم أصلا، حتى يحتاج إلى الفطر، وهذا في قمة السفاهة إن ظن أن الله لا يعلم ذلك عنه، بل ربما كان في قمة الكفر إن اعتقد أن رمضان لم يفرض الله تعالى صيامه، ولم يسن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيامه.
(1) متفق عليه.
(2) رواه الخمسة إلا النسائي, وصححه الترمذي, وحسَّنه البخاري.
(3) رواه الجماعة.
(4) النساء / 65.
(5) الأحزاب / 36.
(6) الأنعام / 148 , 149.
(7) النحل / 43 , الأنبياء / 7.