اعتدنا أن نرى المساجد وهى تغص بالمصلين , والركع السجود , في شهر رمضان , فإذا أدبر الشهر خلت المساجد من المصلين إلا نادرًا , وانصرف الركع السجود إلى التجارة , وإلى اللهو , وانصرف القائمون والمجتهدون , والمعتكفون , إلى دنياهم , كأن رب رمضان غير رب بقية الشهور , تعالى الله عما يعتقده الظالمون علوًا كبيرًا , وكأن من فرض الصلاة لم يفرضها إلا في شهر رمضان فقط , وهكذا أصبح الدين حكرًا على تأويلات المبطلين , وأمسى الدين طوعًا لسفاهات متفقهة العصر , ممن لا يحسنون لغة القرآن , ولا يفقهون قواعد البيان , ولا همة لهم إلا القيل والقال , ولا ذكر لهم إلا في الأمثال , فأحلوها محل القرآن والسنة , فمن قائل: «ربنا بيقول: اسعى يا عبد , وأنا اسعى معاك» تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا , يستحل بذلك التملّص من الصلاة في المسجد , وتسمع آخر يقول: «ربنا بيقول: اللي يعوزه بيتك يحرم على الجامع» - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا-
وهم يستحلون بذلك عدم الذهاب إلى المساجد لأن بيوتهم أحوج إليهم , وهكذا قام فلاسفة العصر من المعتوهين , والشوهى بضرب الدين وأهله معًا في آن واحد , وفى غيبة علمائه الذين تركوا الساحة لهؤلاء المفسدين ينفثون سمومهم , حتى بات المجتمع في خواء ديني رهيب , وإذا سألت بعض الركع السجود في شهر رمضان: لماذا تحرص على الصلاة في شهر رمضان في المسجد؟ قال لك: لأن ثواب الصلاة في المسجد في جماعة في شهر رمضان عظيم جدًا , على الأقل بسبعين صلاة!!
و إذا سألته: لماذا لا تداوم على الصلاة في المسجد , مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) , وقال - صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في المسجد تضعَّف على صلاته في بيته وفى سوقه بضعًا وعشرين درجة .... ) ؟
قال الفيلسوف: لأنني لا أحتاج إلى مثل هذا!! فقد صليت شهر رمضان كله في جماعة , وشهر رمضان بسبعين شهر , وإذا كانت السنة اثنى عشر شهرًا , أكون قد صليت السنة كلها ومعها خمس سنوات أخرى!! وبالتالي يكفيني الصلاة في شهر رمضان فقط , ثم إن الصلاة صلاة القلب , وما دام قلبك عامرًا بالإيمان فلا تخف!! والحمد لله قلبي عامر بالإيمان!!
وتسأل أحدهم: لماذا تدخل المسجد في رمضان لتصلي , ولا تدخله في وقت آخر؟ بل ربما لا أراك تصلى أصلًا في غير شهر رمضان .. لماذا؟
قال لك: لأن الصيام لا يصح إلا بالصلاة , وأنا أريد أن أصوم حتى لا يعيرني أحد من أصدقائي , أو من جيراني، ونحوهم.
وبعد!! فإن حُفّاظ الأمثال اعتقادًا وتنفيذًا على نحو ما سبق قال الله تعالى فيهم وفى أمثالهم: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [1] .
لقد ألزم الله تعالى نبيه وأمته باتباع شريعته , وتطبيق شرعه , وعدم اتباع أهواء الجهلة والمبطلين , فقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [2] .
(1) الشورى / 21.
(2) الجاثية / 18, 19.