(1) بعض أصحاب هذه الموائد يصر على تعليق لافتة على مدخل المائدة مكتوب عليها: «المائدة لا تقبل التبرعات» , ثم يقوم أصحابها بعمل الآتي:
أولًا: يرصدون واحدًا من محترفي المساومات , ومحترفي الخداع والتغرير , الذي يوهم الأغنياء السذج الآخرين الذين ينبهرون بحسن تنظيم المائدة , وفخامة إعدادها , ورقي المكان التي أقيمت فيه , وأبهة روادها ونحو ذلك , يومهم هذا المحترف أنه يعرف صاحب المائدة , ويستطيع أن يتوسط لهم عنده حتى يقبل مشاركتهم له في المائدة , وقد يقنعهم بأن يأخذ منهم الأموال بدون إيصالات استلام , على أن يوصلها لصاحب المائدة لتنفق في المائدة , ولكنه يستولى عليها لحسابه الخاص , وقد يعرف بذلك صاحب المائدة , ولا يفعل شيئًا , بل ربما اقتسم
معه هذه الغنيمة حتى أصبحت بعض هذه الموائد وسيلة للثراء السريع في شهر رمضان.
ثانيًا: يصر كثير من أصحاب هذه الموائد على دعوة مأموري الضرائب إلى موائدهم ليحصوا بأنفسهم عدد الرواد يوميًا , وعدد العمال والطباخين وغيرهم , ويحصون قيمة ما أنفق في هذه المائدة , بما في ذلك ما يعطى لمأمور الضرائب على سبيل (الإكرامية) نقصد الرشوة , حتى يستطيع أن يقنع نفسه بتسوية أموال هذه المائدة , وخصمها من قيمة الضرائب المستحقة عليه , فيضيع بذلك حق الدولة التي ائتمنته على التحصيل , لكن كما قيل في المثل الشعبي: «عند البطون تغيب العقول» ويكون بذلك حاميها حراميها. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(2) مخلفات هذه الموائد , والتي تصل إلى آلاف الأطنان من الأطعمة الصالحة للتناول , ولكن يكون مصيرها الشوارع , أو صناديق القمامة , وهم بذلك قد أساءوا إلى أنفسهم , وإلى مجتمعاتهم من زوايا متعددة , على النحو الآتي:
أولها: تلوث البيئة.
ثانيها: انتشار الذباب والبعوض والناموس , وغيرها من الفئران، و الحيوانات الضارة، والتي تكثر عند أكوام القمامة.
ثالثها: العدوى المنتقلة من هذه الحشرات إلى رواد المائدة , وإلى المارة في الشوارع التي تقام فيها هذه الموائد.
رابعها: تعمد إتلاف المال بهذه الصورة المفزعة يوجب الحجر الشرعي على أصحابها، لأنهم بذلك سفهاء وليسوا عقلاء , لأن الله لا يحب المسرفين , وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [1] , ويقول - صلى الله عليه وسلم: (خير الأمور أوسطها) [2] , وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [3] , وسيسألون عن ذلك يوم القيامة , كما قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [4] .
(3) الاستعانة بالبلطجية , وقطاع الطرق , ونحوهم , في حراسة وتنظيم بعض الموائد , وأكثر هؤلاء يسبون الدين , ويفطرون في نهار رمضان عمدًا , جهارًا , بغير عذر شرعي , ولا يصلون , فيكون ذلك تولية للكافرين على المؤمنين , وقد قال الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [5] .
وقال تعالى: {بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [6] .
(4) أكثر هذه الموائد تقدم الطعام لروادها قبل المغرب , مما يضطر معها الرواد إلى التواجد داخل الموائد قبل المغرب , ولا يستطيعون الصلاة في ميقاتها بسبب الطعام , بل إن بعض هذه الموائد بمساعدة البلطجية تمنع الرواد من دخول المائدة إن تأخروا عن الحضور قبل المغرب بزمن كاف على الأقل بربع ساعة , وقد يصل إلى نصف ساعة , كأنها تتعمد ذلك حتى تعوِّد روّادها على التكاسل عن الصلاة في ميقاتها في المسجد , وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(5) الراقصات , والممثلات تبارين مع تجار المخدرات في إقامة هذه الموائد , وكأنهن يردن أن ينسى الناس عوراتهن , وإفسادهن ويتذكرون فقط موائدهن , وقد قال الله تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ
يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [7] , وقال - صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا ... ) [8] .
فاتقوا الله عباد الله , وابعثوا بقيمة هذه الموائد إلى إخوانكم في فلسطين وفي الشيشان , أفضل لكم عند الله , والله يخلف علينا وعليكم خيرًا.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ربط الصوم بالصلاة
(1) الإسراء / 29.
(2) رواه ابن السمعاني في ذيل تاريخ بغداد.
(3) الفرقان / 67.
(4) الصافات / 24.
(5) النساء / 141.
(6) النساء / 138 , 139.
(7) المائدة / 100.
(8) رواه مسلم.