الصفحة 17 من 55

وهذه اعتقادات صحيحة , لكن المقترض لا يفهم أن الجود الكرم يكون لغير أهل البيت , وإلا فكيف أوصف بالجود , وأنا حريص على التهام الدنيا كلها في شهر رمضان؟ أو كيف أوصف بالكرم وأنا أتباهى أمام الآخرين أنني أفطرت مع الأسرة في الفندق الفلاني , أو المطعم السياحي العلاني , مع أنه كان يمكن أن أفطر على القليل الحلال في البيت , ثم أدخر قيمة هذا الطعام الذي ابتلعته في الفندق , أو في المطعم السياحي , أو في الدار الفلانية , حتى أستطيع شراء كتاب إسلامي أعرف منه ما يلزمني من أمور ديني , أو شراء اسطوانة ( CD) عليها برامج إسلامية هادفة تفيدني في ديني ودنياي , أو شراء بعض الشرائط المسجل عليها القرآن الكريم بأصوات كبار القراء لسماعهم وتقليدهم في التلاوة , أو الشرائط المسجل عليها الخطب , والمواعظ التي لابد منها.

كان من الممكن فعل ذلك كله لو ابتعدت عن الإفطار في مثل هذه الأماكن , وادخرت بقيمتها ما ينفعني في ديني , وفى حياتي , لكنني قدمت حب الدنيا في صورة الكرم , فأي سلوك أسوأ من ذلك؟ يقترض ويتباهى بإنفاقه مما اقترض على ملأ من الناس , دون حياء , أو خجل.

وقديمًا قالوا: «الدَّينُ هَمٌّ بالليل , وذُلٌّ بالنهار»

وأسوأ من هذا السفيه من يقترض لشهر رمضان , وفى نيته عدم سداد هذا الدين لصاحبه , أو مماطلته , وقد قال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلقه الله) [1] .

وأسوأ منهما من اقترض من أي مؤسسة ربوية بفائدة ربوية لمواجهة نفقات رمضان , فهو ملعون بسلوكه المرفوض هذا، ما لم يتب إلى الله تعالى توبة نصوحا , قال - صلى الله عليه وسلم: (كل قرض جرّ نفعًا فهو ربا) , وعن جابر- رضي الله عنه- قال: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: آكل الربا , ومُوكِلَهُ , وكاتبه , وشاهديه , وقال: هم سواء» [2] .

وأسوأ من الثلاثة من يسطون بالاقتراض من البنوك ثم هم يهربون بما اقترضوا , خاصة إن تزامن ذلك مع شهر رمضان , أو مع أيام الحج , قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [3] .

وأمثال هؤلاء الهاربين محاربون لله , ولرسوله , وللمؤمنين , مفسدون في الأرض , مهلكون للحرث والنسل ,

لأنهم استحلوا الربا وهو حرام , واستحلوا أموال الناس وهي حرام , وخرّبوا اقتصاد البلاد , فمن أعظم منهم إفسادًا؟ , وقد توعدهم الله تعالى ومن سهلوا لهم ذلك بقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [4] .

وأي حرب أهلك أو أشدّ مما نعيشه الآن؟

فاتقوا الله يا أولى الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرًا , لا تدمروا أنفسكم بالديون , ولا تبيعوا أنفسكم لأعدائكم بالاقتراض , فلا تطلبوا من أحد شيئًا , واطلبوا من الله وحده , واسألوه وحده , واستعينوا به وحده , وارضوا بما قسم الله لكم تسودوا , وتقودوا , وازهدوا في الدنيا يحبكم الله , وازهدوا فيما عند الناس يحبكم الناس , ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار.

وتذكروا أن إخوانكم في فلسطين وفي العراق , وفي غيرهما يحتاجون إلى كل مليم تنفقونه في غير موضعه , فاتقوا الله , وتذكروا إخوانكم هناك , وأرسلوا إليهم الطعام والثياب والدواء , والمال , وادعوا لهم أن ينصرهم الله في حربهم لليهود , وأن يحرر المسجد الأقصى الأسير.

وإلى لقاء آخر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موائد الرحمن

من اللافت للنظر , أن القاهرة خاصة , والمدن الكبرى على مستوى الجمهورية عامة تتبارى فيما بينها لإظهار كرمها السخي , واحتفائها الوفي بالوافدين إليها في شهر رمضان , حيث تقام السرادقات الفخمة , والتي تشغل العمارات التي لم ينته أصحابها من إكمالها , أو الشوارع , أو ساحات المساجد , أو الميادين العامة , أو دور المناسبات في المساجد أو الأحياء , أو نحو ذلك ,كل منها يحرص على تقديم الوجبات الساخنة للصائمين ولغير الصائمين , وليس في ذلك شيء بشرط إخلاص النية لله تعالى , والبعد عن الرياء , أو الفخر , أو العجب , أو المن , أو الأذى.

لكن تأتي السلوكيات السيئة في هذه الموائد من الصور الآتية:

(1) رواه البخاري.

(2) رواه مسلم , والبخاري بنحوه من حديث أبي جحيفة.

(3) المائدة / 33 , 34.

(4) البقرة / 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت