وفى الصورة الرابعة: حيث الكثيرون يتكاسلون , منفردين عن الصلاة , ويخشون الذهاب إلى المسجد ويتركون أسرهم فهذا عيب عندهم , أو مدعاة لتكيل له الزوجة الجاهلة السباب , أو يبكى الصغار عندما يوضع الطعام ولا يصبرون , ونحو ذلك , فيجبن عند ذلك , ويترك المضي إلى المسجد لصلاة المغرب في جماعته الأولى.
وكذلك من خرج بنفسه أو بأسرته إلى حديقة من الحدائق , أو ملهى من الملاهي , فهل مثل هذا يمكن أن يظن فيه أنه يفكر في الصلاة أصلًا؟
وهل يظن فيمن ذهب لتناول الإفطار على سطح باخرة نيلية أو نحوها أن يفكر في الصلاة في مثل هذا الوقت؟ الله أعلم.
والفيصل في هذه الصور كلها: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي عطية قال: «دخلت أنا و مسروق على عائشة- رضي الله عنها- فقلنا: يا أم المؤمنين!! رجلان من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كلاهما لا يألو عن الخير, أحدهما: يُعَجِّل المغرب والإفطار, والآخر يؤخر المغرب والإفطار؟ فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قلنا: عبد الله- يعني: ابن مسعود- قالت: كذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع!!» .
وللجمع بين تعجيل المغرب والإفطار, يفطر الصائم على التمر, أو الرطب , أو اللبن , وإلا فعلى الماء , ثم يصلي المغرب في جماعة المسجد الأولى , ثم يأكل بعد ذلك ما شاء , وهذا أصلح للمعدة , وأصلح للبدن كله، بشهادة كبار الأطباء.
فأفطروا وادعوا لإخوانكم في فلسطين , وصلوا وادعوا لإخوانكم في كل مكان , و لا تنسونا من صالح دعائكم.
وإلى لقاء آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإفطار على غير السنة
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة ملفتة للنظر, وسلوك سيئ من الصائمين الذين يحرصون عليها كل الحرص , وكأنها من لوازم الرفاهية , أو من توابع المدنية , أو من ضروريات الحضارة المعاصرة , وهذه الظاهرة هي الإفطار على ما يعرف بـ (قمر الدين) , أو (الخشاف) , أو (العرقسوس) , أو نحو ذلك.
ومنهم من يفطر على دخان (السيجارة) , فبدلًا من أن يأكل ما يفيده في بدنه , أو يشرب ما يصلح نفسه , ويقيم صلبه , إذا به يبدأ صومه بسيجارة , وينهيه بسيجارة , ويبدأ إفطاره بسيجارة , وينهيه بسيجارة , وهكذا يحاول أن يعوض ما حُرِمَه من سجائر في نهار رمضان!! كأن الصوم جاء ليعذب أمثاله , وينكل بهم , وكأن الصوم ثقيل على نفسه ثقل الجبل , فهذا وأضرابه خبيث النفس , مريض القلب , سقيم الفكر , مضطرب العقل , عليل البدن , زائف الشخصية ,حريٌ به أن يذهب إلي مصحة نفسية تعالج من إدمان الدخان , لأن الدخان هو البوابة الرئيسية للدخول إلى عالم المخدرات , فمن دخن الشيشة أو الجوزة يوشك أن يدخن السيجارة , ومن دخن السيجارة يوشك أن يدخن البانجو , أو الحشيش , أو الأفيون , ومن فعل ذلك قاده إلى الهيروين , أو الكوكايين , بل إلى عقاقير الهلوسة , والجنون.
وإن العيادات التي تعنى بعلاج المدمنين للدخان أو المخدرات , لتجد من شهر رمضان فرصة عظيمة لتقوية جانب الخوف والمراقبة لله عند المريض , فكل مدخن لا يكتسب من نهار رمضان فرصة عظمى للإقلاع عن التدخين , فلن يفلح إذًا أبدًا , إلا أن يشاء الله تعالى شيئًا آخر.
فإلى المدخنين و أمثالهم يقول الله تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] , ويقول الله تعالى: { .. وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [2] , وقال تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [3] .
(1) البقرة / 195.
(2) النساء / 29 - 31.
(3) الإسراء / 25 - 27.