وليس مرد الفهم السقيم للسلفية عند بعض شباب الصحوة إلى غموض معنى السلفية، وإلى تعدد التعريفات التي يقرأونها في أدبيات المنهج، ولا إلى تنوع النشاط السلفي في الساحة الدعوية، بل مرد ذلك كله إلى أمر نحن نعرفه، وننادي به ونحذر من مخالفته، مرد ذلك إلى المعايير التي نحاكم بها المناهج الأخرى، مرد ذلك إلى عدم اعتبار المعايير الصحيحة في الحكم على القضايا والمسائل، أي عدم اعتبار معايير السلف في فهم معنى السلفية!
إن أهل السنة والجماعة بكل انتماءات فصائلها مجمعة على وجوب التحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم، ويضعون قيد: فهم السلف للتمايز عمن يعتبر فهم السلف لا ميزة فيه أو لا فضيلة شرعية ترفعه على غيره من الأفهام.
إن قيد (فهم السلف) مقصود به معايير السلف في فهم النصوص، ومن ثم كيفية إنزالهم أحكام الشرع على واقعهم سواء كان في إطار معتقدات أو عبادات أو معاملات أو سياسية شرعية أو أخلاق أو غير ذلك من مناحي الحياة بل في إطار النظرة للحياة نفسها.
ليس المقصود بفهم السلف هو ما ورد من أفراد فتاواهم وآحاد آرائهم في تفسير أي نص شرعي من كتاب أو سنة، أو اجتهاد مستنبط منهما.
بل ما عرف بالاستقراء والتتبع أنه طريقة مسلوكة ومنهج متبع وقاعدة مطردة أو شبه مطردة، ومثل هذا نحصل عليه بالتنصيص من أهل الاستقراء المعروفين بالتتبع لآثار السلف وتاريخهم، ومثل أولئك بين علماء الأمة كثير، والعجيب أن الخلف ممن لم يرفعوا بآثار السلف رأسا ولم ينتفعوا بعلومهم أصلا تجدهم يتناقلون روايات السلف بمنتهى الأمانة والدقة، حتى إنني أكاد أجزم أن آثار السلف التي نستطيع أن نكون بها صورة عن فهمهم للنصوص ومنهجهم في الحياة لم يلحقها أي تحريف أو تبديل، بل هي معروضة كغيرها من النصوص على أصول النقد التي وضعها السلف أنفسهم رضوان الله عليهم.