ولنضرب مثالا حتى يتضح المقال: قد علمنا من سيرة السلف رضوان الله عليهم اجتهادهم في العبادة، وقد تواتر من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم شغفه بالتهجد ومناجاة ربه الكريم، وقد سمعنا عن أحد الدعاة يصف اجتهاد أحد أئمة المساجد في تطويل القراءة في صلاة التهجد أنه غلو ومجافاة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
إن ذلك الداعية قد سبر سنة النبي صلى الله عليه وسلم فاستخلص منها أثرا واحدا يأمر بالتخفيف، ولكنه لم نسي أن يعتبر الأوصاف الأخرى التي تحتف بالأمر بالتخفيف وهي عندما تكون صلاة فرض (لأن الناس كلهم مأمورون بإقامتها جماعة) ، وعندما يكون المسجد جامعا يؤمه كل الناس، فيكون فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة (كما ورد في الحديث) .
أما إذا كانت الصلاة نفلا (صلاة التراويح أو التهجد) وكان المسجد يؤمه أنا يرضون بالتطويل، أو أن هناك مساجد تخفف ومساجد تطول، فهذا مما لا يتعارض مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم بحال، ولا يعد فاعل التطويل مخالفا لهديه صلى الله عليه وسلم، بل هو على التحقيق مطبقٌ لسنة مندثرة، محيٍ لفعل تحاشاه الناس مع طول الزمان.
ومن الأمثلة أيضا أننا نرى بعض السلفيين يجعل من مخالفة أحد الدعاة لمسألة من مسائل فروع المعتقد سببا كافيا في إقصائه عن السلفية ونبذه عن حوزتها، ولا أتحدث هنا عمن له الحق في إثبات السلفية الحقة لأحد من الناس، ولكنني أتحدث عن المعايير التي نطبقها للحكم على الناس بالسلفية من عدمها، وقد شهدت بنفسي أحد الدعاة يصفني بأنني لست من أهل السنة لأنني لا أقول بوجوب قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية، محتجا بنص عن الإمام الصابوني (المحدث الشهير) في عد تلك المسألة من المسائل التي يعتقدها أهل السنة.