ولا يجوز أن نتهرب من واقع أن تأصيل مثل هذه المسائل لم يلق اهتماما كافيا من منظري منهج السلف، فصار التهارج بين المنتسبين للمنهج سمة لا تخطئها عين ناقد، وحتى إذا ما أتيحت الفرصة للتحاور بين المختلفين نجد أن معايير الحكم غير منضبطة بل حتى أصول الحوار النظيف والجدال بالتي هي أحسن.
ونحن لا نتحدث عن الخلاف بين أهل السنة وأهل البدع الأصيلة كالجهمية والقدرية والمرجئة الغلاة والرافضة، بل نتحدث عن خلاف بين أهل السنة في مسألة واحدة من مسائل المعتقد أو من فروع مسائله.
إن هذه الحالة التي تحياها صحوتنا لا يعني أننا عاجزون عن تدارك الأمر وإصلاحه، وإنما قصدت من الوصف السابق بيان وجه الخلل وسببه.
لقد كانت هذه المقدمة ضرورية قبل أن نشرع في بيان أصل موضوعنا (صحوة السلفية) ، فإن من اختلت لديه المعايير، أو انعدمت، أو حرفت، يصبح كل موضوع مطروح أمامه خاضعا للذوق الخاص، أو لمعايير تلقاها من أهل العلم وزينها بنتف من صميم آرائه الشخصية وعرضها في حلة واحدة ظانا أن هذا المجموع هو المعيار الصحيح والميزان الصائب.
إن صحوتنا الإسلامية المباركة نعمت منذ نشأتها - بحمد الله - بمنهاج نقي طاهر، هو مرجعية الكتاب والسنة، وكلما تسابق خطو هذه الصحوة ازداد نقاء هذا المنهاج، وتأصلت أسس تلك المرجعية.
وفي مقالنا السابق (سلفية الصحوة) أثبتنا أن روح الصحوة يجنح إلى منهج السلف الصالح في في الاعتداد بأدلة القرآن والسنة وفهمهما على مقتضى أصولهم، وكيف أن رجالات الصحوة - حتى من عرف عنهم بعض الانحراف في المنهج - يعتبرون تحري سيرة السلف وأنموذجهم الطهور مرتكزا أساسيا لأية انطلاقة حضارية.