الصفحة 15 من 18

وليست مطلقة، وإنها سلطة إختيار وتقدير، ولا نلمس فيها التحكم والإستعلاء لأنها منوطة بالمصلحة العامة للمجتمع وبعيده كل البعد عن الظلم او هوى النفس.

ثانيا: مسقطات العقوبات التعزيرية:

يعتبر التعزير عقوبة مستقلة كغيرة من العقوبات الشرعية ولقى من العناية والاهتمام ما لقيته سائر العقوبات كعقوبات الحدود والجنايات والقصاص على النفس والأطراف فقد يحيط بالجرائم التعزيرية من الظروف ما لم يحيط بجرائم الحدود والقصاص مما يقتضي التخفيف او التشديد او العفو، حتى أنها تسقط أحيانا بعد ثبوتها حيث ترك صلاحية تقدير العقوبة حسب ظروف الجريمة وطبيعة الجاني فقد يكتفي القاضي بقوله للجاني بعد جلبه إلى مجلس القضاء: بلغني عنك كذا وكذا، وقد يجد من المصلحة العفو عنه فظروف الجناية متعددة ولا ينظر إليها من زاوية واحدة بل لا بد من الإحاطة بجميع ظروفها. وإن من الفائدة بمكان ان نشير إلى أهم الحالات التي تسقط فيها عقوبة التعزير [1] ولا يخشى أبدا ان تفوت حقوق الناس أو يستشري الظلم في المجتمع لأن هذه المرونة في التطبيق تكون بيد قاض"عدل"يفترض فيه ان لا يتجاوز شرع الله تعالى وأن ينظر إلى مصلحة الفرد والجماعة ويوفق بينهما ما إستطاع إلى ذلك سبيلا، وإن لم يفعل فلا ننسى أبدا أن سلطته مقيدة وليست مطلقة، وأن سلطة الحاكم أو ولي الأمر فوق سلطته، ومن هنا لا يتصور ابدا أن تتهم العقوبات التعزيرية بأنها ربما تقوم على هوى القاضي فيعرض أموال وحياة الناس إلى الخطر إذا اصدر حكما بالقتل (الإعدام) على بعض الجرائم الخطيرة كالجاسوسية وترويج المخدرات وجرائم امن الدولة أو أمر بمصادرة اموال بعض الناس في القليل من الجرائم.

ومن المفيد في هذا المقام أن نختم بذكر بعض الحالات التي تسقط فيها عقوبة التعزير، فإذا فات المحل في العقوبة التعزيرية بهلاك الجاني مثلا أو زوال المنكر أو أداة الجريمة فلا يتصور عندها تنفيذ العقوبة. كما أن توبة الجاني وإنابته إلى ربه قبل أن يقدر عليه الحاكم بحيث يظهر بين الناس ويشهد الجماعة قبل ان ينكشف امره ويقدر عليه الحاكم فإن توبته مقبولة في الأمور المتعلقة بحقوق الله سبحانه وتعالى خلافا لحقوق العباد، وأما إذا عفا المجني عليه عن الجاني فتسقط العقوبة التعزيرية ويبقى للقاضي ان يوقع عليه عقوبة الحق العام لما فيها من مصلحة عامة للجماعة.

كما أن الهنات والسقطات من ذوي الهيئات والمروءات تقال عنهم ولا يعاقبون عليها لقولة صلى الله عليه وسلم [2] :"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"، وذوي الهيئات في هذا المقام عند الفقهاء [3] هم أصحاب الصغائر دون الكبائر والذين لا يعرفون بالشر فإذا زل احدهم في زلة تركها ولا يعود إليها أبدا، وقيل عنهم بأنهم الذين إذا وقع منهم الذنب تابوا وأنابوا إلى الله تعالى. وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار خير فقال [4] :"أقبلوا على محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم".

(1) نجيب: المرجع السابق 427.

(2) أبو داود: المرجع السابق، 4/ 133.

(3) الشيرازي، إبراهيم بن علي: المهذب 2/ 288، دار الفكر بيروت

الحطاب: محمد بن عبد الرحمن، مواهب الجليل 6/ 320 بيروت 1978.

السيوطي: المرجع السابق 489، بدائع الصنائع: المرجع السابق 7/ 63.

(4) صحيح البخاري 4/ 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت