وهكذا فهم السلف الصالح من هذه الأمة، وأجمعت الأمة من بعدهم على هذا بأن السلطة منوطة بالمصلحة العامة التي لا تخالف نصا من نصوص الشرع وتكون ملائمة للشريعة وتتجه إلى حفظ الضروريات الخمس وبما يحقق غايات الإسلام الكبرى وتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين وليس من المصلحة في شيء مخالفة أحكام شرع الله ابدا لأن هذا إتباع لهوى النفس، فهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد إختياره خليفة للمسلمين يقول لهم:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
حيث جعل طاعته مشروطة بطاعة الله عز وجل فإن عمل في حدود ما أنزل الله وجبت طاعته، وإن تجاوز هذه الحدود فلا سمع ولا طاعة.
وجميعنا يعرف قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر يطلب من رعيته السمع والطاعة فقال له اعرابي: لا سمع ولا طاعة، فوسعه حلمة واستفسر منه عن السبب فأجابة الأعرابي ولما تبين له وجه العدالة فيما فعل عمر، قال الأعرابي الآن سمعنا وأطعنا والقصة معروفة للجميع.
ونختم هذا بقوله صلى الله عليه وسلم [1] "من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني"لتأكيد صحة ما سلف من القول من جهة وليعلم الجميع طريقة الفهم والعمل والتطبيق من الصحابة رضوان الله عنهم وبعد نظرهم وإعمال عقولهم وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعث سرية وأمر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا بلى قال: عزمت عليكم ألا جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا فأوقدوها، فلما هموا بالدخول فقام ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار، أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذا خمدت النار وسكن غضبه فذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف".
فيتضح من هذه أن طاعة العلماء والأمراء والقضاة وإن كانت واجبة علينا إلا أنها مقيدة في غير معصية الله لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإن هذه الطاعة لها ضوابط تنتهي اليها. وكذلك الأمر فإن سلطة القاضي مقيدة وليست مطلقة ولها حدود تنتهي إليها وضوابط لا يمكنه الخروج عنها.
وإن المتمعن بالمادة رقم (221) من قانون العقوبات المعمول به في الإمارات العربية المتحدة حيث تقول المادة:"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين أو الغرامة التي لا تجاوز عشرة آلاف درهم من أعطى بيانا كاذبا عن محل إقامته وكذلك من انتحل إسما غير اسمه في تحقيق قضائي او إداري"يلمس بوضوح تام صحة ما ذهبنا اليه، فالقاضي لا يجوز له أن يزيد في حكمه على المجرم بأكثر من سنتين أو عشرة آلاف درهم أو الجمع بينهما.
ولكن يحق للقاضي أن يحكم بالسجن سنة واحدة على بعض الجناة أو سنة ونصف أو نصف سنة دون أن يتجاوز السنتين في حكمه، كما يحق له ان يفرض غرامة مالية تتراوح بين الدرهم والعشرة آلاف درهم، فقد يحكم بالألف أو الثلاثة أو الخمسة او التسعة وما بينها دون ان يتجاوز العشرة آلاف، وهذا كله راجع إلى اجتهاده وتقديره لظروف الجريمة والمجرم، ومن هنا يتضح معنى قولنا إن سلطة القاضي مقيدة
(1) صحيح البخاري 8/ 107.