المبحث الثالث
إن الباحث المنصف الذي جمع إلى سعة المعرفة صفاء النية وبعد تفهمة لما جاء في باب التعزير يلمس بوضوح تام أن سلطة القاضي في تحديد وإقامة العقوبات التعزيرية ليست سلطة تحكمية لأنها بإشراف ولي الامر، وإنما هي سلطة موسعة يتمتع بها ليتمكن من مواكبة التطور بمواجهة صور الإنحراف الذي تستحدث تبعا له. ليستطيع من خلالها علاج المجرم والجريمة وفق الإطار الذي رسمته الشريعة وسارت عليه القوانين بأمر من الحاكم للدولة، فلا يجوز للقاضي أن يتعداه لأن سلطته مقيدة وليست مطلقة لأنها سلطة اختيار وتقدير لا سلطة تحكم واستعلاء حيث تهدف إلى تقدير خطورة الجريمة والمجرم واختيار العقوبة الرادعة والمناسبة للجريمة، وهي كفيلة لتحقيق العدالة ورفع الظلم [1] ، ولا عجب إذن أن نقول: بأن المرونة وصلاحية القاضي في نظام التعزير يعدان من أهم الروافد للتشريع الجنائي المتطور، كيف لا وهما يستندان إلى مصادر شرعية ثابتة بالكتاب والسنة ومنوطان بالمصلحة العامة ومصالحها المعتبرة التي تسعى لحفظ"الدين والعقل والنفس والمال والولد"كما أسلفنا، ويشهد لذلك قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" [2] .
فأوجب الله علينا في هذه الآية طاعته سبحانه وتعالى بإتباع أوامره واجتناب نواهية، كما أوجب علينا ايضا طاعة رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بإتباع ما أمر واجتناب ما نهي عنه وزجر وهذا واضح في سنته، وطاعته واجبة استقلالا ثم عطف الله سبحانه على طاعته وطاعة رسوله و طاعة أولي الأمر كالأمراء والعلماء والحكام والقضاة ولكن لم تجب طاعتهم استقلال بل جاءت معطوفة ومقيدة لطاعة الله وطاعة رسوله لأنه لا طاعة لمخلوق في معيصية الخالق.
وإن المتأمل لقوله تعالى مخاطبًا سيدنا داود عليه السلام بقوله:"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضللك عن سبيل الله"يلمس بوضوح تام أمره سبحانه لسيدنا داود عليه السلام بصفته حاكم بأن يحكم بين الناس بالعدل الذي هو حكم الله تعالى في عباده ويحذره في الوقت نفسه أن يتبع في حكمة هوى النفس، ويبين له ولغيره من الحكام من بعده نتيجة اتباع هوى النفس لأنها تضل صاحبها عن سبيل الله القويم وتؤدي به إلى نار جهنم نتيجة لظلمة النابع من هوى نفسه فهذا الأمر وإن كان لسيدنا داود عليه السلام فهو لكل إنسان ولي أمر من شؤون المسلمين فهو مطالب بتطبيق شرع الله فيهم ومنهي عن إتباع هوى النفس لأن الفارق بين حكم القرآن وجور السلطان هو العدل والهوى، فالعدل هو حكم الله، والهوى سواء أكان للحاكم او لمن حوله من بطانة السوء هو الظلم الجائر والعياذ بالله من الظلم والظالمين والقضاة مقيدة وليست مطلقة، فعن نافع عن إبن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [3] "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإن امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
(1) نجيب: مصطفى أحمد فقه العقوبات 419.
(2) سورة النساء: 59.
(3) صحيح البخاري 8/ 105.