فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 40

عن أبي ذر - رضي الله عنه - [1] قال: «صوموا يومًا شديدًا حره لِحَرِّ يوم النشور، وصَلُّوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور» [2] .

فإن مما يُنير قبر المرء، ويزيد نوره عند مروره على الصراط ذلك القيام الذي يزهد المرءُ فيه اليوم، مع أن راحة جسده وشفاء بدنه إنما هو في ذلك القيام.

تشهد لهم هذه الجوارح الضعيفة اليوم بِطُول قيامهم، وتُنِير لهم قبرهم، وتنير لهم طريقهم على صراطهم، إذ المرور على الصراط على حسب هذا النور {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} [الحديد:12] .

هذه الصلوات وطولها وتعبها ومشقتها - التي يظن المرء أن لها تعبًا ومشقة - إذا بها هي الراحة [3] ، وإذا بها هي نورهم - {وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) } [التحريم:8] .

3 -- الترهيب من ترك قيام الليل

(1) أَبُو ذَرٍّ جُنْدُبُ بنُ جُنَادَةَ الغِفَارِيُّ أَحَدُ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.وَكَانَ يُفْتِي فِي خِلاَفَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ. وَكَانَ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ، وَالصِّدْقِ، وَالعِلْمِ، وَالعَمَلِ، قَوَّالًا بِالحَقِّ، لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ. عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انه قال: (ما أظلتِ الخضراءُ و لا أقلتِ الغبراءُ على ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذر) رواه الحاكم في المستدرك (8478) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه , قال الذهبي قي التلخيص: على شرط مسلم. اهـ توفي - رضي الله عنه - سنة 32 هـ بالربذة.

(2) أخرجه أبو نُعيم الأصبهاني في الحلْية عن أبي ذر - رضي الله عنه - في ترجمته موقوفا عليه , و نذكر تمام الأثر للفائدة: (عن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه - عند الكعبة، فقال: يا أيها الناس أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفرًا أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجَّةً لعظام الأمور، صوموا يومًا شديدًا حرّه لطول النشور، صلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء تسكت عنها لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها، اجعل الدنيا مجلسين، مجلسًا في طلب الآخرة، ومجلسًا في طلب الحلال، والثالث يضرك ولا ينفعك لا تريده. اجعل المال درهمين، درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك، والثالث يضرك ولا ينفعك لا تريده. ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا)

(3) وليس في القيام الراحة والنور فقط، بل فيه أيضًا شرف المؤمن: «جاء جبريل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا محمد: عشْ ما شئتَ فإنك ميت، واعملْ ما شئت فإنك مجزيٌ به، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعلمْ أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس» . قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني بإسناد حسن. اهـ.

كما أن قيام الليل هو أفضل النوافل عند كثير من العلماء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ. وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ» رواه الإمام مسلم.

وبقيام الليل يتوسل العبدُ إلى ربِّه لينال رحمته سبحانه وتعالى، قال - صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ في وَجْهِهِ الْمَاءَ» الحديث رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

وبالقيام أيضًا يرجو به العبدُ نيل عطايا الرب سبحانه وتعالى واستجابة الدعوات؛ فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِى اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» . رواه الإمام مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت