لذلك: لمَّا كان الأمر على هذا الحال الذي ذكرنا، إذا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يُحَذِّر: «لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» [1] . ويقول: «إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ» [2] .
يقول - سالم بن عبد الله بن عمر [3] رضي الله عنهما راوي الحديث عن أبيه عبد الله بن عمر [4] : فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا 0.
وإن مما يُقَوِّي المرء على يومه، ويَحْفَظُه عليه وتتنزل عليه بركته هو ذلك القيام.
-وما يُترك قيام الليل إلا بحرمان من الله تعالى بسبب المعصية، - يقول أحد الصالحين: أذنبتُ ذنبًا فَحُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر.
ويقول آخر: أذنبت ذنبًا فَحُرِمْتُ قيام الليل سنة.
وانظُرْ إلى نفسك!! تَراك يومًا أو يومين أو ثلاثة تقوم الليل، ثم بعد ذلك تنقلب أحوالك، وتقع في المعصية أو الغفلة فإذا بك تُحْرَمُ أيامًا كثيرة من قيام الليل.
قالِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: - «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ, بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا, - فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ, - وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَتَانِ , فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ» ، لم يُصِبْ خيرًا، وهذا هو حالنا اليوم للأسف، لذلك يقول - صلى الله عليه وسلم - في - الذي نام الليل كله: - «ذاك رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ» [5] .
وإن بَوْلَه ثقيل ينبغي أن يَنْفُرَ منه المؤمن، وأن يُسارِع إلى رضا الله تعالى، وأن يكون قِيامُهُ هذه الأيام استعدادًا للمغفرة؛ حتى يكون ذلك دأبه كما هو دأب الصالحين قبلنا.
تم بحمد الله
ويليه العدد الثاني من سلسلة (إيقاظ أهل الإيمان لمغفرة رمضان)
وهو: (حال المؤمنين في رمضان)
المحتويات
مقدمة الطبعة الثالثة ... 3
مقدمة الطبعة الأولى ... 4
الفصل الأول: أسباب الاهتمام بشهر شعبان ... 9
الفصل الثاني: وظائف المؤمنين في شهر شعبان ... 21
الوظيفة الأولى: صيام شهر شعبان ... 27
الوظيفة الثانية: تعمير أوقات الغفلة بالطاعة ... 35
الوظيفة الثالثة: مجاهدة النفس على الطاعات ... 57
الوظيفة الرابعة: تجهيز أفضل الأعمال لرفعها لرب العالمين ... 65
(1) أخرجه البخاري (1152) ، ومسلم (1159) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -.
(2) أخرجه البخاري (7029) ، ومسلم (2479) من حديث سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(3) سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ الإِمَامُ، الزَّاهِدُ، الحَافِظُ، مُفْتِي المَدِيْنَةِ و أحد الفقهاء السبعة، أَبُو عُمَرَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ , التابعيُ, القُرَشِيُّ، العَدَوِيُّ، المَدَنِيُّ. ثبت عابد فاضل, مَوْلِدُهُ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ - رضي الله عنه -.
عَنْ مَالِكٍ بن أنس الإمام، قَالَ: (لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي زَمَانِ سَالِمٍ أَشْبَهَ بِمَنْ مَضَى مِنَ الصَّالِحِيْنَ، فِي الزُّهْدِ، وَالفَضْلِ، وَالعَيْشِ مِنْهُ؛ كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ بِدِرْهَمَيْنِ) ,وكان أبوه عبد الله بْنَ عُمَر لصلاحه يحبه حبا شديدا حتى يُلاَمَ فِي ذلك، فَكَانَ يَقُوْلُ:
يَلُوْمُوْنَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُوْمُهُمْ ... جِلْدَةُ بَيْنَ العَيْنِ وَالأَنْفِ سَالِمُ
توفي سنة: 106 هـ. انظر بتصرف السير وتهذيب التهذيب
(4) عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بنِ نُفَيْلٍ الإِمَامُ، القُدْوَةُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَشِيُّ، العَدَوِيُّ، المَكِّيُّ، ثُمَّ المَدَنِيُّ. أَسْلَمَ وَهُوَ صَغِيْرٌ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ أَبِيْهِ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَوَّلُ غَزَوَاتِهِ الخَنْدَقُ، وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. رَوَى عِلْمًا كَثِيْرًا نَافِعًا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَعَنْ كثير من الصحابة , والحديث أعلاه شهادة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فضله. توفي سنة 73 أو 74 هـ.
(5) أخرجه البخاري (3270) ، ومسلم (774) من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.