فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 40

ومعني ذلك: أنه - صلى الله عليه وسلم - كما يقول العلماء-كان يُكابِد حال قيامه لليل. وصفة مكابدة الليل: أن يقوم فيتوضأ، فيصلي، ثُم تغلبه عينه، فينام قليلًا، فيفزع مرة أخرى، فيقوم، فيتوضأ، فيصلي ثُم تغلبه عينه، فينام قليلًا، فيقوم فيتوضأ فيصلي، وهي شدة المكابدة، وهي حال من أحواله - صلى الله عليه وسلم - التي تُبَيِّن هذا التجافي عن المضاجع، والتي تبين أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبيت لربه راكعًا وساجدًا وقائمًا؛ يرجو رحمة ربه كما ذكر المولى - سبحانه وتعالى - [1] .

لذلك:

كان عِلْمُ المرء بقرب الرب في جوف الليل منه عونًا له على القيام لله تعالى؛ إذا به يَهُبُّ من نومه لقرب ربه منه، ولإقباله على ربه، فيقوم حالئذ، وقد ترك نومه وراحته وزوجته، ليقوم لله تعالى في تلك الليلة التي أقامه الله تعالى فيها.

فقد رُوِيَ أن الله تعالى يقول لجبريل: «أقمْ فلانًا، وأنمْ فلانًا» , - يقيم فلانًا ليذكر الله تعالى، وأنمْ فلانًا؛ لأنه لا يريد منه ذِكْرًا لله تعالى لِمَا صدر منه. -

قد أتت الأيام الجميلة، وأتت مواسم الرحمة لِيَنْفُضَ المرء عنه ثوب الغفلة، وثوب النوم، وثوب البعد، والجفاء عن الله تعالى؛ لتكون راحته ولذته ونعيمه وسروره وشوقه في الإقبال على الله تعالى.

-الفائدة الثالثة: قيام الليل مطردة للداء عن الجسد

-- يقول صلوات ربي وسلامه عليه: «وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ» [2] يعني: إن أولئك المتخوفين بسب مرضهم وتعبهم وبسبب شقائهم، وبسبب كذا وكذا - مما يكون عائقًا عن القيام، إذا القيام على العكس مما يخافون، فهو سببٌ لطرد الداء عن البدن، وسببٌ لشفاء هذا البدن. فإذا ما قام لله تعالى كان سببًا لشفائه، ورفع تعبه، وعدم شعوره بهذه المشقة التي أصابته في يومه؛ لأنه أقبل على ربه فنسي به الشقاء، حتى إذا كان النوم أحب إليه مما يعدل به قام إليه.

وهذا القيام لا يُشْعِرُ المرء بهذا التعب؛ لأن قرة عينه فيه؛ لأن لذته ونعيمه لا تكون إلا بذلك، تَعِسَ من كان نعيمه وسعادته في الدنيا الزائلة، في امرأته وولده وماله وشُغله وأصحابه، وأُنْسِه بغير الله تعالى.

الفائدة الرابعة: قيام الليل مكفرة للسيئات

-وإنه كذلك كما أشرنا «وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ» [3] .

يعني: سبب تكفير السيئات والذنوب والمعاصي قيام الليل كما ذكر الله تبارك وتعالى، وكما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنهم كانوا يُصلُّون ليلهم حتى إذا أسحروا - يعني: إذا دخلوا في السَّحَرِ - قاموا فاستغفروا الله تعالى كما ذكر سبحانه: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران:17] .

قاموا ليلهم، حتى إذا أسحروا أخذوا يستغفرون الله تعالى، وهو معنًى دقيق أنهم بعد صلاتهم في ليلهم إذا بهم لا يَرَون أنهم قد عملوا شيئًا لله تعالى، وإنما يستغفرون؛ كأنهم قد باتوا يَعْصون الله تعالى!!

-سُئِل الحسن - رضي الله عنه - عن المتهجدين: ما بالهم أحسن النَّاس وجوهًا؟ - قال: قاموا إلى ربهم، فألبسهم من نوره سبحانه وتعالى.

هذه الأمور تَحْمِلُكَ على القيام، وتأخذك إلى الله تعالى.

وما رأينا القوة والنور في أولئك الصالحين إلا بسبب ذلك: إذا جَنَّهُم الليل صَفُّوا أقدامهم لربهم، فمنهم باكٍ، ومنهم صارخ، ومنهم داعٍ، ومنهم راكع، ومنهم ساجد.

الفائدة الخامسة: قيام الليل يخفف قيام يوم مقداره خمسين ألف سنة

وأمر آخر وهو أن طول القيام يخفف قيام يوم طوله خمسون ألف سنة، فيتذكر المرء ذلك فتهون عليه المشقة، كما يعلم أن هذه الجوارح الزائلة ستشهد له عند الله تعالى يوم القيامة من ناحية، وتكون منيرة له بنور القرآن والقيام من ناحية أخرى.

(1) قال تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا (( (( (( (( (( (يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .

(2) سبق تخريجه.

(3) سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت