فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 40

فتلك أحوالٌ غريبة، وتلك أمور تكاد أن تكون صعبة، ولكنها تَخِفُّ كما أشرنا عندما يعلم المرء أن ذلك سببه محبة الله تعالى والشوق إليه والتنعم بالوقوف بين يديه, وقرة العين بالإقبال عليه، قال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) } [السجدة:16] .

فهذه حال المؤمنين الذين بَشَّرَهُم ربهم بالجنة {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الذاريات:15] .

-قوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} , توضح أول صفات المؤمنين قبل"رمضان"وتزداد هذه الصفة في"رمضان"كحال النبي - صلى الله عليه وسلم - المُشَرَّف:"أن تتجافى جنوبهم عن المضاجع"يعني: أن تتباعد هذه الجُنُوب عن مكانها التي تضجع فيه لتستريح ... تَبْعُد هذه الجُنُوب عن مواضع الراحة إذ الراحة الحقة في قيامها لله.

{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} :

فليس نومهم طويلًا، وليس نومهم ثقيلًا، وليس النوم أحب إليهم، بل على العكس.

فهذه الحالة - إذًا تُبَيِّن محبتهم لربهم، بل محبة ربهم لهم.

-وقد ذكرنا في الثلاثة الذين يحبُّهم الله تعالى ذلك الرجل الذين كان معهم في سفرهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يَعْدِلُ به - أي كان النوم أحب شيء إليهم ولا يساويه شيء- - قام إليَّ - أحدهم يدعوني ويتلو آياتي ويتملقني [1] .

هؤلاء يحبهم الرب جل وعلا، وكفى بذلك شرفًا تلك الحالة، وتلك المنزلة وهذه المرتبة العالية التي تُبين قربهم من ربهم واصطفاء الله لهم واجتبائه - سبحانه وتعالى إياهم.

لذلك قال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} .

ولا شك أن حال المؤمنين اليوم على العكس؛ كلما وجد وقتًا فارغًا بَدَلًا أن يصلي ويقوم ويدعوَ ويأخذ حظه من الله تعالى .. إذا به ينام هذا الوقت، ويَحْزُن أن ضاع حظه من نومه، ويَحْزُن أن قَلَّت ساعات نومه، ولا يحزن أن قلت ساعات إقباله على الله وتَمَلُّقه له، ودعائه له، وإقباله عليه، وأن يأخذ من ربه -جل وعلا- النصيب الأوفى من المحبة والإقبال عليه، والنظر له واصطفائه واجتبائه.

{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} :

بل إن الله -تبارك وتعالى- قد بَيَّن أن ليلهم ليس النوم -كما هو الحال في طبيعة المرء- بل وصفهم ربهم في وصف عباد الرحمن بقوله: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) } [الفرقان:64] .

وانظر إلى هذا التركيب القرآني البديع؛ يبيتون سجدًا! الأصل في استعمال"يبيت"لغويا في غير القرآن - أن يقول:"يبيت الرجل - نائمًا". فكأنه رفع"نائمًا"هذه ووضع بدلها"سُجَّدًا وقيامًا".

فبدلًا أن يقول: بِتُّ الليلة، يعني: نِمْتُ هذه الليلة، يقول: نام قائمًا راكعًا، ساجدًا. كأن نومه وراحته هو السجود والركوع ... كأن نومه وراحته هو الإقبال على الله تعالى وعلى طاعته. فلا يكون المرءُ مطمئنًا مستريحًا هادئَ البال قد أخذ قِسْطَهُ من الراحة التي يرجو والاستجمام الذي يسعى إليه إلا راكعًا وساجدًا.

وقال تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران:17] ، ليبين كذلك تلك الحال التي قال فيها الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) } [المزمل: 5:1] .

وقال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ • (( (( (( (( (( (مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ} [المزمل:20] .

فكان ذلك حالهم الذي ينبغي التفكر فيه ومقارنة أحوالنا على كلام القرآن؛ ليضع المرء الدواء على موطن الداء، وليقوم لله تعالى تلك القَوْمة التي أمره بها: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} .

-وقد كان حال من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قيامه بالليل هذا الحال، وهو: أنه - صلى الله عليه وسلم - ما تُريد أن تراه قائمًا إلا رأيته، وما تريد أن تراه نائمًا إلا رأيته.

(1) انظر تمام نص الحديث وشرحه وتخريجه في الفصل الثاني: الوظيفة الثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت