فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 40

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرَ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» [1] . فإذا علم المرء المحب المقبل على الله تعالى أن ربه أقرب ما يكون إليه في جوف الليل، لا شك أنه انتظر تلك الساعة، وقام إليها لِقُرْب ربه منه.

لذلك: يأتي القرآن الكريم عندما يخرج المرء من قبره يوم القيامة، يخرج إليه في شكل الرجل الشاحب اللون، يقول له: أما تعرفني؟ فيقول مَنْ أنت؟

يقول: أنا القرآن الذي كنت تقرأني، وإن كل أحد اليوم من وراء تجارته، وأنا من وراء كل تجارة لك.

يأتيه القرآن ليقول له ذلك، فيؤتى المُلْكَ بيمينه، والخُلد بشماله، هذا حديث صحيح، فيؤتى المُلْكَ بيمينه، والخُلد بشماله، ويلبس تاج الوقار، ويُحَلَّى أبواه حُلَّتَين لا تقوم لهما الدنيا فيقول: لِمَ كسوتني ذلك؟ قال: بأخذ ولدك القرآن.

ثم يُقال له: اقرأ وارق في دَرَجِ الجنة كما كنت تقرأ في الدنيا.

هذا القرآن الكريم يأتيه فيقول له: أنا صاحبك، أنا القرآن الذي أظمأت هواجرك وأسهرتَ ليلك - يتلوه ويدعو به ربه ويَتَمَلَّقه به - وإن كل تاجر من وراء تجارته، ويُكْسى ويرقى، وكذلك والداه يُكسيان هذه الحُلَّة التي ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخذ ولدهما القرآن.

وقد ذكرنا أن أفضل قراءة القرآن أن يقرأه قائمًا يصلي في المسجد، كما ذكر الله تعالى: - {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران:191] .

الفائدة الثانية: مشاركة الصالحين من قبلنا في دأبهم

قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ [وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ] » [2]

قيام الليل: شعار الصالحين قبلكم، دأب الصالحين قبلكم، والصالحون قبلكم لابد وأن تشاركوهم، وأن تنافسوهم عليه، ولا يكون الصالحون قبلكم أولى بالله تعالى منكم، وأولى بمجاورته سبحانه وتعالى في جنته مع"النبيين والصديقين والشهداء"منكم.

انظر لهؤلاء الصالحين كيف قضوا ليلهم يستنصرون ربهم ويدعونه ويناشدونه، ثم يصبحون ليقاتلوا عدوهم، فما كانوا يستنصرون ويَتَقَوَّوْنَ ويستمدون المدد والعون من الله تعالى إلا بذلك القيام.

لذلك: لما وصفوهم قالوا: لهم دَوِيٌ بالقرآن كدوي النحل في ليلهم. كانوا فرسانًا بالنهار، رهبانًا بالليل، وذلك في أشد المواطن فزعًا، وفي أشدها خطرًا، و مخافةً، وهي عند مواجهة عدوهم -ليس عندما يَسْعَون إلى رزقهم أو معاشهم أو دراستهم- يقومون ليلهم، بل في أشد من ذلك؛ إذا لاقَوْا عدوهم كانوا يقومون ليلهم، مع أنهم كانوا ينبغي أن يناموا حتى يستطيعوا أن يقاتلوا، وإنما قاموا ليكون ذلك القيام مددَهم، وعَوْنَهُم على ذلك كله.

وذلك وصفهم الذي أشار إليه المولى سبحانه وتعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) } [السجدة:16] .

وانظر إلى حال المؤمنين في ليلهم كما وصفهم الله تعالى لنتعظ به في حال أنفسنا:

- {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) } [الذريات15: 18] .

يعني: كانوا قليلًا من الليل ما ينامون.

الهجوع: النوم، والتهجد: هو قيام الليل.

ووصف ليلهم بقلة الهجوع، ووصف أيضًا ليلهم بالتجافي عن المضاجع، ووصف ليلهم - سبحانه وتعالى - بالبيات رُكَّعًا وسُجَّدًا لله تعالى وقيامًا.

(1) أخرجه النسائي (572) ، والترمذي (3579) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه , وابنُ خزيمة في صحيحه (1147) كلهم من حديث عمرو بن عبسة - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه الترمذي (3549) من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه -. وما بين المعقوفتين زيادة من حديث بلال - رضي الله عنه - عنده أيضا. وحديث أبي أمامة قال فيه العراقي في تخريج الإحياء: (رواه الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة بسند حسن) اهـ , ورواه بنحوه بالزيادة المذكورة الطبراني في االكبير (6154) عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - يرفعه , قال الهيثمي في المجمع: (رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون وثقه دحيم وابن حبان وابن عدي وضعفه أبو داود وأبو حاتم) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت