الحالة السادسة: حضور القلب والتدبر:
والحالة التالية التي ينبغي أن يكون عليها تالي القرآن الكريم؛ ليكون له عبرة وغذاء وشِفاء ونورًا وهداية ورحمة، يستعد بهذه الحالة لـ"رمضان"وبعد"رمضان"، وأن يكون ذلك دأبه وحاله مع الله تعالى، هذه الحالة هي حضور القلب والتدبر.
وحضور القلب: ذكره العلماء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12] . ومعناه: أن يكون إقباله على كلام الله تعالى، مُنْصَرَف الهمة إليه، لا إلى غيره، يعني: أن يأخذ الكتاب بِجِدٍّ.
قيل لبعضهم: هل تُحَدِّثُك نفسك بشيء إذا كنت تتلو كلام الله؟
قال: وأي شيء أحب إليَّ من كلام الله تعالى حتى تحدثني نفسي به؟!
أيها المسكين: أي شيء أحب إليك من كلام الله حتى توسوس نفسك لك به؟
وانظر إلينا اليوم!! كيف يُقبل المرء على كلام الله تعالى، فينتفي عنه الخشوع والتَّدبر والإقبال، وإذا به في سوقه ومشاكله، وولده، وماله، وعِرَاكه وشِجاره وما كان، وما يمكن أن يكون حتى يخرج عن كلام الله تعالى، في صلاة أو في غير الصلاة، وإن كان عنده بقية من إيمان يقول: «إنْ شاء الله! في الصلاة التالية أكون أحسن!» وهذه الحالة لا خشوع فيها ولا تدبر ولا إقبال.
ومن ثم ينبغي أن يُقْبِل بقلبه على الله تعالى.
لقد كان من عادة السلف الصالحِ، وإمامهم كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه يتلو كلام الله تعالى على الحال التي أشرنا، ثم كان يقف عند الآيات، ذكروا أنَّه قام بآية واحدة يرددها طوال لَيْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهي قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118] .
طوال ليله - صلى الله عليه وسلم - يقرأها، وقف عندها لا يتعداها، لِما ورد على قلبه - صلى الله عليه وسلم - من المعاني، ولما ورد على قلبه من التدبر والتفهم، يقف عندها هذه الآية وكان ذلك في كثير من سلف الأمة الصالحين وعباد الله المتقين.
من معاني التدبر:
والتدبر له معان أُخر، وهو: التفهم, والتخصيص، وبعد ذلك التأثر، ونُفَصِّل في هذه المعاني بعض الشيء:
المعنى الأول للتدبر: التفهم:
أي أن يتفهم المرء من كل آية ما يليق بها، فالقرآن الكريم قد احتوى على أسماء الله تعالى وصفاته، وأفعاله، وعلى ذِكْر الأنبياء وما حدث لهم، وعلى ذِكر المكذبين وكيف أهلكهم سبحانه وتعالى، وعلى ذِكر الجنة، وعلى ذكر النار في آياته.
فهذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم حَظُّك من تدبرها، وحظك من تفهمها أنك إذا تَلَوْتَ كلام الله أن تمر عليك الآية فتعلم منها ما أشار الله تعالى لك به، أو شيئًا مما يريد الله تعالى أن يصل إليك، أو أن يَعْقِلَهُ ذهنك، أو أن يتدبره قلبك في هذه المعاني.
تُراها نزلت هذه الآيات - حتى لو لم تكن هذه الآيات إلا في القَصَص والوعظ والوعد والوعيد- تُراها نزلت للسمر؟ تُراها نزلت للتسلية؟ أو أن ذلك كله كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [صّ:29] .
أين أنت إذًا من هذا المعنى المهم حال قراءتك؟
ولا يتمكن المرء من ذلك إِلَّا أن يُقدِّم حالة من الأحوال المهمة العظيمة التي ينبغي أن يتحلَّى بها قلب المؤمن حال قراءة القرآن الكريم، وهي التي يسمِّيها العلماء «تعظيم المتكلم» .
يعني: عندما تتلو كلام الله تعالى فإنما ينبغي عليك أن تستحضر عَظَمَة من يكلمك جل وعلا، أو شيئًا من تلك العظمة، وأن تعلم أن الكلام الذي تتلوه ليس من كلام البشر، وإنما هو كلام الرب -جل وعلا- الذي يجب عليك أن تُعَظِّمَهُ التعظيم اللائق به, قال سبحانه وتعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح:13] .
أن يُعَظِّمَهُ كما يعظمه أولوا الألباب؛ لعلهم يتفكرون كما قال المولى سبحانه وتعالى عنهم.
وأما عن كيفية تعظيمه: فقد رأينا سلف هذه الأمة وقدوتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - كيف كانوا يُعَظِّمون كلام الله تعالى.
وتعظيم كلام الله تعالى يأتي من تَفَكُّرَكَ في عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فإذا ما نظرت إلى خلقه: العرش والكرسي والسماوات والأرض والجبال والنَّاس، وما في الظاهر والباطن والبحار والخلق، وغير ذلك عَلِمْتَ تلك العظمة، أو شيئًا من عظمة الله تعالى. فكل ذلك بيده، وكل ذلك تحت قدرته، وكل ذلك نافذ فيه أمره سبحانه وتعالى، لا تخرج ذرة من تلك الذَّرات من تحت حُكمه سبحانه وتعالى، كل دابة آخذ بناصيتها، لا يُرَتِّب في الخلق إلا هو سبحانه وتعالى، ولا يحييهم، ولا يميتهم، ولا يزيدهم، ولا ينقصهم ولا يجمعهم إلا الله تبارك وتعالى.