وانظر إلى معنًى مهم من معاني عظمته جل وعلا أن يقول: «هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي» [1] .
يستشعر قلبك حينئذ تلك العظمة، أو شيئًا منها، فَتُعَظِّم كلامه سبحانه وتعالى، ويرتفع في قلبك هذا التعظيم، وهذا التوقير، وهذا الإجلال لله تعالى، فيكون ذلك مُساعِدًا لك على معاني التفهم التي أشرنا إليها.
أن تتفهم من كل آية ما فيها من أسماء الله تعالى وصفاته، وما فيها من حكمه وأفعاله، وأحوال الأنبياء، وأحوال المكذبين، وأحوال الجنة والنَّار والبَعْثِ والنُّشُور ..
وكل ذلك موجود في كلام الله تعالى، أين نصيبك وحظك من التفهم عنه سبحانه وتعالى؟
أين حظك من تدبره والإقبال عليه الذي أمرك به سبحانه وتعالى؟!
أَأُنْزِلَ كما ذكرنا للتسلية؟!!
فيه أسماؤه وصفاته، وهي البحر العميق الذي به عَلَّمَكَ الله تعالى الإقبال عليه، أن تعرف منه أنه الملك، أن له مملكةً له فيها التصرف والتدبير، والأمر، والنهي، والإعطاء، والمنع، وأن تنظر في أنه الملك القدوس السلام المؤمن، وأن تعرف آثار هذه الأسماء، وتلك الصفات في خلقه، وأن الخلق كله إنما هو أثر من آثار تلك الأسماء، أو من بعض هذه الأسماء والصفات التي ذكرها الله تبارك وتعالى، فهو الخالق، فالخلق أثر من آثار هذه الصفة، وهو الرازق فالرزق أثر من آثار هذه الصفة، وهو الملك فتلك المملكة أثر من آثار صفته الملك، وهو السلام، وهو المؤمن، وهو القوي، وهو الغني سبحانه وتعالى، وهو الغفار، وهو الوهاب، وهو البر، وهو الرحيم، كل ما في الكون آثار من آثار أسمائه وصفاته التي ينبغي أن تُوَحِّدَهُ بها، وأن تدعوه بها [2] ، وأن تُثْنِيَ عليه بها، وأن تتعلق به سبحانه وتعالى فيها؛ ليكون لك حظٌ منها، ليكون لك إقبال عليه بها، فتنقلب حالك إلى تلك الحال: حال المتعلقين بربهم ... الفاهمين عن ربهم ... المُوَحِّدين لربهم ... المحبين لربهم ... المتقربين لربهم. أولئك الذين يرفع الله درجتهم ويُعْلي منزلتهم، ويأخذ بأيديهم، ويحفظهم، ويُوَفِّقهم ويسددهم.
وكذلك: أن تتفهم من خلقه وفعله ما يليق بكل آية منها، ذكر أهل العلم في هذا السياق بالذات قوله سبحانه وتعالى:
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة:58، 59] ، {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} [الواقعة:63] ، {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} [الواقعة:68] ، ... {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} [الواقعة:71] .
هذه آيات قليلة من بقية هذه الآيات في كلام الله تعالى، ولها -أي: لهذه الآيات- تلك المعاني التي ينبغي أن تتفهمها {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} تُراه يقصد {مَا تُمْنُونَ} : هذا المنيّ الذي يكون سبب الولد وانتهت هذه المسألة عند هذا المعنى؟ فهذا الفهم يشترك فيه المؤمن والكافر ..
أما المؤمن الذي يتفهم عن الله تعالى، فإنما يبلغه شئ يكون سببًا لفهم عظمة الله تعالى وقدرته وقوته، وسببًا ليقربه إلى الله تعالى، وليكون قائدًا له إلى معرفته ... إلى محبته ... إلى توحيده ... إلى معرفة شيء من عظمته سبحانه وتعالى. فهذا السائل الذي ذكر الله تبارك وتعالى- هذا الماء المهين الذي أشار إليه في قوله جل وعلا {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة:8] - انظر إليه وقد خرج إلى أعصاب وإلى عظام، ثم خرج بعد ذلك إلى السمع والبصر والفؤاد، ثم خرج إلى هذا الإنسان السَّوي، ثم تركبت فيه الصفات الشريفة والصفات الرديئة من الحقد والغلِّ، والحسد، وحب الدنيا، والشهوات, كل ذلك في هذه الآية {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} .
هذا الخلق الذي تراه بعد هذا الأمر هو الذي خلقه الله تعالى ليُنَبِئك، وليرشدك، وليأخذ بيدك إلى معنى الخلق، والقدرة، والإبداع، وإلى عظمة الخالق سبحانه؛ حتى تقول سبحان الله!
(1) أخرجه أحمد في المسند (4/ 168) ، وابن حبان في صحيحه (2/ 50) ، والحاكم في المستدرك (1/ 85) وصححه ووافقه الذهبي.
(2) قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف: 180] .