المعنى الثاني في قوله:"يستبشرون"، لقد حُذِفَ مفعول الفعل هنا ليؤكد عموم الاستبشار، يعني: يستبشرون بماذا؟ يستبشرون بكل شيء, بكل ما يكون سببا لبشراهم في الدنيا والآخرة من فضل الله تعالى, يستبشرون بزيادة الإيمان ... يستبشرون برحمة الله ... بفضل الله ... برفع درجاتهم ... يستبشرون بأن الله تعالى قد أحبهم، أن -الله تبارك- وتعالى أعدَّ لهم الثواب الجزيل، وأن الله تعالى قد قَبِلَهم، وأن الله تعالى قد رفع درجتهم، يستبشرون بكل ما يمكن أن يكون من بشارة يستبشر بها المرء في الأولى، يريد بها الدار الآخرة، ويريد بها ما عند الله تعالى.
{أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة:125] . نعوذ بالله تعالى من ذلك، ونحن في حالة بين الحالين فانظر إلى إصلاحها .. وانظر إلى ما ينبغي أن يكون عليه قلبك حين نزول القرآن عليه.
الحالة الخامسة: التأدب مع كلام الله:
أول ما يتميز به تالي القرآن هو أن يكون متأدبًا مع كلام الله تعالى، بأن يكون متوضئًا، مُسْتَقْبِلَ القبلة [1] ، مُتَخَشِّعًا، مُطْرِقَ الرأس، جالسًا كأنه يجلس بين يدي أستاذه الذي يعلمه كلام الله تبارك وتعالى، مُقبلًا على كلام الله جل وعلا.
فإذا ما تحقق له ذلك فإنه يُوشك أن يُقْبِل على كلام الله تعالى، أما تلك الحالة التي نراها في بعض الناس؛ أن يكون أحدهم مُتَّكِئًا، أو مائلًا، أو مُتكبرًا، أو على حالة من الحالات التي تبين عدم اهتمامه وتعظيمه لكلام الله تعالى، وأنه يتلوه كما يتلو كلامًا آخر، أو يقرأه ويُقْبِل عليه كما يُقْبل على شيء مِن الدُّنيا، يتساوى عنده كلام الرَّب وكلام العبد، لا! لا ينبغي ذلك.
ولكن المؤمِن يكون على هيئات الأدب والخشوع والإقرار والإقبال ينتظر ذلك الفضل من الله تعالى. وإن كان على أي حال يأخذ فضله وأجره، ولكنه كما قال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران:191] .
فبَيَّن أحسن أحوالهم أن يقرؤوا قائمين، أو أن يذكروا الله تعالى قائمين، ثم قاعدين، ثم مضطجعين. فمدح الكل، ولكنه قدَّم هؤلاء القائمين ..
لذلك استنبط أهل العلم منها:
أن أحسن حالة، وأتم هيئة يُقْرأ فيها كلام الله تعالى أن يكون قائمًا في الصلاة في المسجد؛ فهي تلك الحالة التي ينبغي أن يَتَحَلَّى بها المرء كما قال: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:1 - 2] .
فهاتان الحالتان التي ينبغي أن لا ينساهما أهل الإيمان، وأن يُلازموهما:
حالة الترتيل، وحالة البكاء.
وهما الحالتان اللتان يُقصِّر فيهما المرء في قراءته لكلام ربه، وبالتالي تقل عظمة كلام الرب جل وعلا في قلبه، ويَقِلُّ أجر هذا المرء وثوابه، ويقل انتفاعه بهذه الآيات الانتفاع الذي يحيي به القلب، وهذه الآيات التي إن انتفع بها المرء فَإنه يُقْبِل على الله تبارك وتعالى، ويجد حلاوة الإيمان، وحلاوة الطَّاعة، وتَخِفُّ عليه أسباب النكد والضيق، وأسباب المعصية وشؤمها. يخف عليه ذلك كله فإذا به إنسان جديد مُقْبِل على ربه يتدبر آياته ويتلوها.
والترتيل يبين هذا المعنى-ليست هذه الْهَذْرَمة التي يقرؤها النَّاس اليوم- وليس هذه القراءة التي لا يتدبرون فيها كلام الله تعالى، وإنْ كان مِن فضله وكرمه وجوده سبحانه وتعالى أن يُعْطِى لكلِّ تالٍ لكلامه من الأجر ما يناسبه لا يَحْرِمُ أحدًا، إلا أن يخرج عن حد التدبر، والتفهم، وحضور القلب، فأنَّى يكون ذلك مقبلًا على ربه إذْ لا يَقْبَل الله تعالى من القلب اللاهي الغافل عنه جل وعلا؟ [2]
(1) عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَيِّدًا، وَإِنَّ سَيِّدَ الْمَجَالِسِ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ"
رواه الطبراني في الأوسط (ح 2354) ,و قال المنذري في الترغيب (4663) : رواه الطبراني بإسناد حسن.
(2) بالإضافة إلى آداب قراءة القرآن التي أشرنا إليها نذكر بعض الآداب الأخرى مختصرة حتى تتم الفائدة, قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي الآجُرِّي:
(باب أدب القرّاء عند تلاوتهم القرآن مما لا ينبغي لهم جهله: وأحب لمن أراد قراءة القرآن، من ليل أو نهار أن يتطهر، وأن يستاك وذلك تعظيم للقرآن؛ لأنه يتلو كلام الرب عز وجل؛ وذلك أن الملائكة تدنوا منه عند تلاوته للقرآن، ويدنو منه الملَك، فإن كان متسوكا وضع فاه على فيه، فكلما قرأ آية أخذها الملك بفيه، وإن لم يكن تسوك تباعد منه, فلا ينبغي لكم يا أهل القرآن أن تباعدوا منكم الملك , وأحب أن يكثر القراءة في المصحف لفضل من قرأ في المصحف، ولا ينبغي له أن يحمل المصحف إلا وهو طاهر فإن أحب أن يقرأ في المصحف على غير طهارة فلا بأس، ولكن لا يمسه، ولكن يصفح المصحف بشيء، ولا يمسه إلا طاهرا، وينبغي للقارئ إذا كان يقرأ فخرجت منه ريح أمسك عن القراءة حتى تنقضي الريح، ثم إن أحب أن يتوضأ ثم يقرأ طاهرا فهو أفضل، وإن قرأ غير طاهر فلا بأس منه، وإذا تثاءب وهو يقرأ، أمسك عن القراءة حتى ينقضي التثاؤب، ولا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن، ولا آية، ولا حرفا واحدا،، وإن سبح أو حمد أو كبر وأذن فلا بأس بذلك، وأحب للقارئ أن يأخذ نفسه بسجود القرآن كلما مر بسجدة سجد فيها، ... والذي أختار له أن يسجد كلما مرت به سجدة؛ فإنه يرضي ربه عز وجل ويغيظ عدوه الشيطان، وروي عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي , يَقُولُ يَا وَيْلَهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ, وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ» وأحب لمن كان جالسا يقرأ أن يستقبل بوجهه القبلة، إذا أمكن؛ وأحب لمن تلا القرآن أن يقرأه بحزن، ويبكي إن قدر، فإن لم يقدر تباكى، وأحب له أن يتفكر في تلاوته، ويتدبر ما يتلوه، ويستعمل غض الطرف عما يلهي القلوب، ولو ترك كل شيء حتى ينقضي درسه كان أحب إلي؛ ليحضر فهمه، فلا يشتغل بغير كلام مولاه، وأحب إذا درس فمرت به آية رحمة سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله عز وجل من النار، وإذا مر بآية تنزيه لله عز وجل سبح الله وعظمه، وجميع ما أمرتُ به التاليَ للقرآن موافقٌ للسنة وأقاويل العلماء.
وجميع ما ذكرتُه ينبغي لأهل القرآن أن يتأدبوا به ولا يغفلوا عنه، فإذا انصرفوا عن تلاوة القرآن اعتبروا نفوسهم بالمحاسبة لها، فإن تبينوا منه قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه، واجتناب محارمه، فحمدوه في ذلك وشكروا الله على ما وفقهم له، وإن علموا أن النفوس مُعْرِضَةٌ عما ندبهم إليه مولاهم الكريم، قليلة الاكتراث به، استغفروا الله من تقصيرهم، وسألوه النقلة من هذا الحال الذي لا يحسن بأهل القرآن، ولا يرضاها لهم مولاهم إلى حالة يرضاها، فإنه لا يقطع من لجأ إليه، ومن كانت هذه حاله وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره، وعاد عليه من بركة القرآن كل ما يحب في الدنيا والآخرة إن شاء الله, .... عن قتادة رحمه الله تعالى قال:"لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضاء الله عز وجل الذي قضى بأنه: شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا") اهـ بتصرف و باختصار من أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري رحمه الله تعالى.