لذلك كان عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - [1] يقول: (( ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُكَاء فَتَبَاكُوا ) ) [2] . يعني: اتلوا وابكوا، فإذا لم تبكوا فتباكوا، وهي حالة تُظهِرَ مدى ما تأثر القلب به من خشوع، فيظهر هذا الخشوع على الجوارح بقشعريرة الجلد , قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر:23] .
وإذا لم يستطع المرء أن يبكي، أو أن يتباكى فليبكِ على موت قلبه، فليبكِ على حاله التي لم تصل إلى هذا التأثر،
فهذا الموضوع إذًا من أهم موضوعات الدين: أنَّ لا ترى نفسك خاشعًا متصدعًا باكيًا عند قراءة القرآن.
الحالة الثالثة: قشعريرة الجلد:
وقد بيَّنت هذه الآيات معنًى آخر من المعاني التي تكون عليها حالة المؤمنين كما ذكر الله -تبارك وتعالى- في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر:23] .
إذا كانت أعينهم تبكي عند سماع القرآن فكذلك أيضًا عند سماعه تقشعر جلودهم له خوفًا وخشية من وعيد الله تعالى فيه، ومما ذكر، ثم يصيبهم الرجاء والرحمة، فتلين هذه الجلود والقلوب مرة أخرى لله تعالى.
فبالخوف والرجاء يستطيع المرء أن يسير إلى الله تعالى.
فهذه القشعريرة التي تصيب أجسامهم، وهذا الدمع الذي تفيض به أعينهم، هو دليل حياة القلب، ودليل الإقبال على الرَّب، ودليل الاتعاظ بالموعظة والتَّذكر بهذه الذكرى التي أشار الله -تبارك وتعالى- بها إلى المؤمنين.
والمرء لا يحتاج إلى أن نقول له انظر إلى حالك أيها المسكين!! أين بكاؤك وخشوعك الذي تذكر؟!
الحالة الرابعة: زيادة الإيمان:
ونبين حالة المؤمنين الأُوَل في قوله - سبحانه وتعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} [التوبة:124] .
فإذا كان الخشوع والبكاء الذي ذكرنا، وقشعريرة الجسم، والتصدع الذي ذَكر الله تعالى دليلٌ على أنَّ تأثر المرء بهذا الكلام صادق، وليس كَمَن يسمع القرآن فيبكي، ثم ينصرف إلى دنياه ولَهْوِهِ مرة أخرى، وكأن شيئًا لم يكن، أو يقشعر جلده شيئًا، ثم يعود مرة أخرى إلى ما كان فيه من اللعب والغفلة، لا، وإنما قال المولى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} وهذه فيها معنيان:
المعنى الأول: هو تواصيهم سمع عند سماع القرآن؟ ماذا أفادك القرآن؟ ازددت به إيمانًا أو لا؟ ارتفعت به درجة الإيمان أو نزلت؟ ازددت به قُربًا ومحبَة لله تعالى؟
ازددت به طاعة واقترابًا من الله سبحانه وتعالى؟ ازددت به زهدًا في الدنيا وإقبالًا على الآخرة؟ ازددت به رفعةً ودرجةً عند الله تعالى كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حال صاحب القرآن: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِى الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا» [3]
{أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} ؟ فهل من سائل يسأل عن ذلك اليوم؟!
المهم: زادتهم إيمانًا أو لا؟ الجواب: {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة:124] .
(1) عبدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ الإِمَامُ، الحَبْرُ، العَابِدُ، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَابْنُ صَاحِبِهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقِيْلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقِيْلَ: أَبُو نُصَيْرٍ القُرَشِيُّ، السَّهْمِيُّ. وَلَيْسَ أَبُوْهُ أَكْبَرَ مِنْهُ إِلاَّ بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِهَا. وَقَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيْه رضي الله عنهما. وَلَهُ مَنَاقِبُ، وَفَضَائِلُ، وَمَقَامٌ رَاسِخٌ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عِلْمًا جَمًّا. توفي في ذى الحجة سنة ثلاث و ستين هـ. انظر السير وتهذيب التهذيب بتصرف.
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - موقوفا عليه (4/ 622) وصححه، ووافقه الذهبي بقوله: على شرط البخاري ومسلم.
(3) أخرجه أبو داود (1464) , و الترمذي (2914) وقال حديث حسن صحيح, كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعا.