والحالة الثانية وهي البكاء: ذكرها القرآن الكريم كذلك ليبدأ المرء تمرينه عليها في هذه الأيام بعد الاستماع، وبعد والتدبر والإنصات وحضور القلب؛ ليكون سببًا في أن يأتي"رمضان"وقد امتلأ قلبه من كلام الله تعالى، فيكون سببًا لنزول الرحمة والعتق من النار، وأن لا يخرج من"رمضان"كما دخل فيه كما قال النبي: «وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» [1] .
هذه المواعظ التي تهيؤه لِئلَّا يُحَصِّل الخسارة والخيبة مرة أخرى.
لذلك قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:107 - 109] .
فينبغي للمؤمنين إذا تُلِيَ عليهم هذا القرآن أن يخروا له سُجَّدًا وبُكيًّا كما في الآية التي ذكر الله تعالى في سورة مريم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] .
وهذا معناه أنهم إذا سمعوا هذه الآيات أصابتهم بهذا البكاء الذي يَدُلُّ على تأثرهم. إذا بالبكاء هو أسرع شيء إلى أعينهم؛ لأنها قد رأت الوعد والوعيد، وشاهدت مشاهدَ الآخرة، واقترابَ رحيل الدنيا، وشاهدت القبرَ وعذابَه، والبعثَ وما فيه من أهوالٍ وكُرَبٍ، وشهادةِ موقفها بين يدي الله تعالى الذي يَبْعَثُ على البكاء ليلًا ونهارًا، «وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن يبكي، ولصدره أزيز من البكاء كأزيز المِرْجَل» [2] ، وهو القِدْر الذي يغلي الماء فيه , وكما صورهم الله سبحانه وتعالى فأجلى صورتهم وحسَّنها: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:107 - 109] .
هذان الأمران مُهمَّان: البُّكاء، وزِيَادَة الْخُشُوع.
لذلك: كان"ابن عباس"- رضي الله عنه - [3] إذا تُليت الآية يقول: انتظر! هذا هو السجود فأين البُّكاء؟
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه الإمام أحمد بنحوه في مسنده (4/ 25) .اهـ , وابنُ حبان في صحيحه (3/ 30) . قال الشيخ شعيب في التحقيق: (إسناده صحيح على شرط مسلم)
(3) عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ البَحْرُ أَبُو العَبَّاسِ الهَاشِمِيُّ حَبْرُ الأُمَّةِ، وَفَقِيْهُ العَصْرِ، وَإِمَامُ التَّفْسِيْر وترجمان القرآنِ، ابْنُ عَمِّ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , القُرَشِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المَكِّيُّ، الأَمِيْرُ - رضي الله عنه -. مَوْلِدُهُ: بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ، قَبْلَ عَامِ الهِجْرَةِ بِثَلاَثِ سِنِيْنَ. صَحِبَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوًا مِنْ ثَلاَثينَ شَهْرًا، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ. قال فيه صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (1/ 328) وقال الشيخ شعيب في التحقيق: (إسناده قوي على شرط مسلم) اهـ. توفي سنة 68 هـ بالطائف. انظر السير وتهذيب التهذيب بتصرف.