فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 40

الفريق الأول قلوبهم حيَّة: فهي تتأثر بالقرآن مباشرة؛ تجول في معانيه، وتتدبر في آياته، وتزداد به إيمانًا، وتزداد به يقينًا كما سنذكر الآيات التي تدل على شيء من ذلك, وهذا هو القلب الحي الذي - قال الله تعالى فيه: ... {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام:122] .

فهذه الحياة هي حياة القلب الذي ليس بينه وبين القرآن حواجز، وليس بينه وبين القرآن شهوات، ولا آفات، ولا مرديات، ولا مهلكات، ولا موانع، وإنما يتنزل عليه القرآن فإذا به متدبرٌ له، سامعٌ له، منصتٌ له، عاملٌ به، يَضَعُه على أمراضه وعِلله فيستشفي بها، والحال الأعلى الأجل من ذلك حاله - المشرف - صلى الله عليه وسلم - كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» [1] - صلى الله عليه وسلم -، انطبع هذا القرآن في القلب، فظهر على تلك الجوارح.

-والفريق الثاني هو الذي قال الله تعالى فيه: {أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [قّ:37] .

قلبُه ليس بهذه الدرجة من الحياة، فهذا يحتاج لأن يتدبر هذه الآيات، وحتى تقع هذه الآيات على قلبه موقع الشفاء، وحتى يتنزل هذا القرآن على قلبه تَنَزُّل الرحمة، وحتى يصيب منه البركة، وحتى يصيب منه هذا النور وهذه الحياة لابد وأن يُلقِيَ السمع، وأن يَحْضُر معه القلب، أن يجاهد أن يكون منصتًا كما قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204] , وأن يكون في نفس الوقت حاضر القلب مقبلًا عليه، قد قطع كل الشواغل عنه، حتى - يكون سببًا لهدايته، ودخول النور إليه.

فأنت بين أمرين:

بين قلب حي لا يحتاج لشيء غير القرآن، فهو نازلٌ عليه، متفهمٌ له، متدبرٌ له، يعمل به، يَحْزُن لوعيده، ويفرح لرحمته ويقوم بأمره، وينتهي عن نهيه، ويتعظ بقصصه ومواعظه، ويسير به السير الذي كان عليه حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أنت لم تصل بعد إلى هذه الدرجة فتحتاج إلى الإنصات، وشهود القلب حتى تتنزل عليك هذه الرحمات.

ونحن كما ترون - إلَّا من رحم ربي - حالتنا ليست الإنصات وحضور القلب حال قراءة القرآن، ولا قلوبنا - هذه حيَّة من أصلها حتى تقوم بذلك.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي: قلب حي: {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [قّ:37] . إذا لم يكن على هذه الدرجة من الحياة، وهو حاضر، شاهد، يشهد قلبه هذه المعاني.

وهذا يُوضِّح لنا الأحوال التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون، واسمع إلى قول الله تعالى في هذه الآيات:

{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:18] هذه الأولى، وقال أيضا: ... {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [قّ:37] , فبعد إلقاء السمع قال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} وقرآن الله تعالى وكلامه كله حسن, - أما"الأحسن"هذه فهي متعلِّقة بالمُكَلَّف نفسه الذي يرى هذه الأمور التي تُقَرِّبه إلى الله تعالى، فتكون في حقه هي الأحسن والأكثر تأثيرًا من غيرها وبسببها يكون أكثر حياة وإقبالا وعملا.

-ونرجع إلى السؤال الهام - كيف يحصِّل المرء هذه الأحوال؟

والجواب: أن يجاهد - المرء نفسه حتى تكون حالته كحال المؤمنين مع القرآن الكريم كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز.

أحوال المؤمنين مع القرآن الكريم

الحالة الأولى: الخشوع:

الله تعالى قد ذكر أحوال المؤمنين مع القرآن فقال:

{لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21] .

ومعنى الآية: أنه لو أنزل هذا القرآن على جبل رأيته خاشعًا، متواضعًا، ذليلًا. و"متصدعًا"يعني: قد تشقق من نزول القرآن عليه؛ من خوفه وتأثره به.

{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} لأولئك الذين لم يصلوا بعد إلى حالة الجبال الصُّم، وإلى هذه الصخور الصلدة بحيث لم يتأثروا بالقرآن، ولم يخشعوا عنده، ولم يتصدعوا لوعده ووعيده، ولم يكن سبب موعظتهم، وسبب خشوعهم، وسبب تَذَلُّلِهم وانكسارهم، وبالتالي سبب إقبالهم على ربهم، وحزنهم لما فاتهم من حظهم من الله تعالى.

وكأنَّه يعيب عليهم أنَّ الجبال لو نَزَلَ عليها القرآن ما كان حالها كحالهم؛ فالجبال الرواسي - هذه الجلاميد الصماء - حالها أفضل حالًا من حال هذه القلوب القاسية التي ينزل عليها القرآن فلا تتأثر، ولا تخشع، ولا تتذلل، ولا تتواضع.

الحالة الثانية: هي البكاء:

(1) أخرجه الإمام أحمد (6/ 91) من حديث سعد بن هشام - رضي الله عنه -. ... وقال الشيخ شعيب في التحقيق: حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت