فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 40

قد رأينا إذًا أنّ من أعظم الأعمال التي ينبغي أن يستعد بها لـ"رمضان"- وهو ما افتقدناه في"رمضان"وفي غير"رمضان"وكان سببًا من الأسباب المباشرة في ضعف القلب ومحق البركة ونقص الهداية ومنع فضل الله تعالى عن المؤمنين - هو الاهتمام بكلامه سبحانه وتعالى، لذلك نَذْكُر معنى آخر مُهمًّا هو: البركة.

خامسا البركة:

وهي التي انمحقت، أو كادت من أوقات المؤمنين وجهدهم، فلم يبقَ لهم شيء فتَمُرّ أيامهم وتدور هكذا دواليك، وسُرعان ما يصلوا إلى نهايتهم، وينزلوا في محطاتهم قريبًا إلى الله تعالى ولم يحصلوا عملًا مباركًا يليق بلقاء الله تعالى.

وهذه البركة تعود بالرجوع إلى كتاب الله قال الله تعالى فيها: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [صّ:29] .

فإذا قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} فإن تلاوته وتَدَبُّره، وتَفَهُّمَه، وحِفظه وتَعَلُّمه، وتعليمه، والتحاكم إليه، والاستشفاء به من عِلل القلب والبدن، كل ذلك إذا حصَّله المرء فإنه يحصِّل به تلك البركة التي ذكر الله تعالى، وكلما ازداد المرء من ذلك ازداد بركة. -

قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء:50] ،وقال سبحانه وتعالى أيضا: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155] , فهذه الآيات الكريمات التي تبين بركة القرآن في تدبر الآيات والتذكر, وهما سمتا أولى الألباب, ثم ينبني عليهما الاتباع والتقوى, - فتلك طرق قد بينتها الآيات الكريمات لنزول البركة. وبعد ذلك كله فإن للقلوب مع هذا القرآن الكريم أحوال.

أحوال القلوب المستمعة للقرآن الكريم:

يقول المولى سبحانه وتعالى:

- {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [قّ:37] .

وقد يظن ظانٌّ أن هذا الكلام بعيد عن - الموضوع, ولكنه في قلب هذا الموضوع. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى} وهو أن الاستفادة بما سبق من الموعظة التي وعظ الله تعالى بها المؤمنين: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} .

ويذكر الإمام"ابن القيم"في هذا المعنى: أن القلب حتى يتأثر بهذه الموعظة، فلابد أن يكون هناك المؤثر الذي يؤثر، وهناك المحل القابل الذي يَقْبَل هذا التأثير، ولابد وأن يوجد شروط حصول هذا التأثير، وأن تنتفي موانع التأثير [1] -.

و معنى هذا الكلام:

أن يكون هناك القرآن الكريم وهو المؤثر الذي يتأثر به النَّاس، وأن يكون هناك المحل القابل لذلك، وهو القلب، ويُشترط لذلك؛ أن يؤثر المؤثر في المحل؛ يعني: أن يؤثر القرآن في القلب؛ أن يلقى السمع والإنصات إليه، وهو الشرط.

والرابع: أن تنتفي موانع السمع من اللهو عنه، والغفلة عنه، وعدم الإنصات له الإنصات الكافي، وعدم الاستماع له كما قال عز وجل:

{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204] .

فشرط تحصيل هذه الرحمات كما قال هو الإنصات والسمع من ناحية.

ومن ناحية ثانية: هو التلاوة والتدبر والفهم كما قال في الآية التي أشرنا إليها من قبل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} .

فبَيَّن أن تحصيل الهداية، وتحصيل البركة، وتحصيل الرحمة، وتحصيل الفضل لابد أن يتحقق له السَّمع والإنصات لتلاوته، وأن يتحقق له بعد ذلك التَّدبر والفَهْم، ثم الاتباع والعمل والتقوى كما قال تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .

وكأنَّ البركة والرحمة والهداية التي في القرآن متعلقة بالتلاوة والتدبر والإنصات والفهم والعمل كما قال تعالى: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة:121] ، وأيضًا كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر:29] .

-علمت إذن هذه البداية وما عليك إلا أن تتحقق بهذه المعاني لكي تحصل البركة والرحمة، وقد يسأل السائل كما يقول الإمام ابن القيم: إذا كان ذلك كذلك، فلماذا قال سبحانه وتعالى (أو) في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [قّ:37] ؟

الجواب: لأن النَّاس المحصلين لذلك فريقان؛ وغيرهم لا يحصل شيئا:

(1) الفوائد ص3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت