-رابعًا فضل تعالى والفرح به لا بغيره:
قال تعالى: - {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} , وقال أيضًا: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} فأخبرنا أن المعتصمين به سيدخلهم في رحمة منه وفضل, وأمرهم بالفرح بفضل الله لا بغيره.
تُرَاهُم قد فَرِحوا بشيء من ذلك، تُراهم حصَّلوا شيئًا يفرحون به، ويُسَرَّون به فيكون سبب إقبالهم على ربهم، ومحبتهم له، فتتنزل عليهم رحمته، وتحيط بهم هدايته، ويستضيء لهم نورهم؟ إنّ الذي يُحصِّلون به ذلك هو اعتصامهم بالله, واعتصامهم بالقرآن الكريم.
قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} معنى {وَاعْتَصَمُوا بِهِ} : أي اعتصموا بالقرآن النور المبين الذي أنزلناه، أو اعتصموا بالله، وكلا التفسيرين صحيح , فعلى التفسير الأول {وَاعْتَصَمُوا بِهِ} يعني: بهذا النور المبين الذي أنزلنا، ويشهد لذلك قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103] . أو اعتصموا به أي بالله على التفسير الثاني.
-فعلينا إذن الاعتصام بهذا القرآن، إذ هو عِصْمَتتنا التي ينبغي أن تكون هدفنا هذه الأيام، ومقصودنا هذه الأيام؛ لنزيل تلك الوحشة وذلك الجفاء، ولرفع تلك البلايا التي نزلت علينا، والمصائب التي حَلَّت بنا أفرادًا وجماعات , ولنكون الأقرب إلى الله.
-قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} هو سبحانه الذي يمن عليهم بالفضل والرحمة الذي تكون سبب الفرح، وهو خير مما يجمعون. وكأنهم لما أنزل عليهم الكتاب شفاءً لِما في صدورهم ورحمةً بهم، وهدايةً لهم، إذا بهم يتركونه ويحاولون أن يجمعوا حُطام الدُّنيا الزائل، فذكَّرهم بأن غفلتهم عن كتاب الله تعالى مع جمعهم الدنيا كلها لا تساوي فرحهم بفضل الله ورحمته, {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} فبذلك فَلْيُسَرُّوا ... فبذلك فَلْتَنْشَرِحْ قلوبهم ... فبذلك فليتنعموا ... {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} . لا شك أن فضل الله تعالى ورحمته هو الخير الذي ينبغي أن - يحرص عليه المرء.
-المعنى الثاني: أن هذا الخير الذي تحرص عليه، وذلك - الفضل الذي تستمسك به، وتحاول أن تحصله من ربك لن يُضيع عليك الدنيا التي تخاف عليها، بل سيكون ذلك سببًا في أن تَحْصُل الدُّنيا التي تُضَيِّعُ بها الشِّفاء والرَّحمة والهداية والبركة، ولو حصَّلت هذه الهداية والرحمة لأتاك فضل الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58] .
وتُراهم إذا جمعوا هل يجمعون شيئًا لم يُكتب لهم؟ كلا، وإنما يجمعونه وقد فضَّلوه على رحمة الله، وفضَّلوه على هداية الله، وفضَّلوه على - فضل الله.
تُراهم خائبين خاسرين، أم تُراهم مسرورين فرحين بأمر الله تعالى مُنَعَّمين بهذا النعيم الذي أتاهم، مستأنسين به، مُقْبِلين عليه، أم هم غافلون عنه؟
-إن حزن المؤمنين اليوم إنما ذهابه أن يفرحوا بالله تعالى، أن يفرحوا به في طاعتهم إياه، وفي رضاهم بقضائه وقدره، أن يفرحوا به سبحانه وتعالى فيما يعطيهم من القوة، والمدد، وفيما يعطيهم سبحانه وتعالى من النور والهداية، وفيما يقوم في قلوبهم من حلاوة الإيمان والطاعة ومشاهدة الآخرة , فيما يكون به قوتهم على السير إلى الله تعالى، وأن يأخذ بأيديهم إليه، ذلك يُذْهِب عنهم نَكَدَ الدنيا وضيقها، ويُذْهِب عنهم شقاءها وعَنَتَها، ويُذْهِب عنهم كذلك كل آلامهم، وأوجاعهم، فإذا بهم في عامة أحوالهم فرحين بالله تعالى؛ لأنه قد وَفَّقَهم لِما لا يمكن لأحد أن يُوَفِّقَهم إليه، وأعانهم بما لا يستطيع أحد أن يعينهم عليه، من طاعتهم له، ومن اجتبائهم له، ومن اصطفائهم له، ومن إقبالهم عليه، وشرح صدورهم بشوقهم إلى ربهم، وكثرة ذكرهم له، وسكينتهم به، وطمأنينتهم إليه سبحانه وتعالى. فماذا يريد المرء بعدئذ؟
لو حَصَّل ذلك في الدنيا أو شيئًا منه حصل نعيم الآخرة؛ لأن ذلك نعيم الدنيا، وهو علامة وأمارة على تحصيل نعيم الآخرة، مَن لم يُحَصِّله في الدنيا لا يُحَصِّله في الآخرة, ولذلك قال في الحديث: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» [1] .
مَن الذي يحب لقاء الله ويحرص عليه، ويسارع له، ويعمل كل العمل والجهد ليُحَصِّل ذلك الشوق، وليأتنس بذلك الأنس؟
ما الذي يمنع المؤمنين من تحصيلها؟
(1) أخرجه البخاري (6507) ، ومسلم (2683) من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -.