لَمَّا قال سبحانه وتعالى: {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 58:57] لَا بُدَّ وأن يكون كذلك، فإنَّ كلام الله تعالى لا خُلْفَ له، وانظر إلينا وإلى صدورنا، وما امتلأت به من الشَّهوات والشُّبهات، وما امتلأت به من الضعف والوَهْن، وما امتلأت به من الآفات والرذائل التي كانت سببًا لضعف البدن عن السير إلى الله تعالى، والتي كانت سببًا في غفلة المرء عن تذكر آخرته والإقبال عليها، تُرى لو كان صدره هذا قد شُفِيَ مما هو وتَعافى، وقويَ على الطاعة، وصار هذا القلب مستنيرًا بنور الإيمان، مُزهرا بِسِرَاجِه، قد انقمعت منه الشهوات، وانقطعت فيه الشبهات، سار بعد ذلك إلى الله تعالى؛ لأنه صار عَفِيًّا، قويًّا حيًّا كما يقول المولى في الآيات التي سنذكرها بعد قليل إن شاء الله تعالى.
-ثالثا الهُدى:
قوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} .
والمؤمنون - على هذه الحالة التي نحن فيها اليوم هدايتهم ناقصة لا شك، بدليل حالتنا التي كررنا وصفها من قبل. ثم يعود السؤال:
مَنْ الذي قد استقام على سيره، وازداد في درجاته، وقام إلى الله تعالى كما ذكرنا في الحديث القدسي: «يا ابن آدم: قم إليَّ أمشِ إليك» [1] ؟
وَمَنْ الذي أكثر وازداد من العمل الصالح، الذي أمره الله به؟
ومَنْ الذي كان على حَذَرٍ من الموت وخوف منه، إذا أصبح لا ينتظر المساء، وإذا أمسى لا ينتظر الصباح، وأخذ من دُنْيَاهُ لِآخرته، ومن حياته لموته، ومن صحته لمرضه [2] ، وسار هذا السَّير الذي يُنبئ على أنَّه قد خاف ربه وخشيه، وأنَّه قد أقبل عليه لا يتردد في إقباله سبحانه وتعالى، وتَعلَّق به تَعَلُّق الذي لا نجاة له إلا به، ولا فلاح له إلا فيه، ولا خروج له مما هو فيه إلا بأن يكون مُتَعَلِّقًا بالله تعالى.
{وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} وهذا المعنى قد أكدَّه المولى -سبحانه وتعالى- في آية أخرى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44] .
وَخَصَّ الله تعالى المؤمنين في تلك الآية الأخيرة بالهداية والشفاء فيه من دون الناس. ولأهمية الهداية فإن المؤمن يطلبها بالدعاء من الله في كل ركعة يصليها ... {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6] لاحتياجه الشديد لها, وللازدياد منها, وليهديه طرقها وأسبابها وما يكملها. لأنَّ الظالمين لا يزيدهم القرآن إلا خسارًا كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82] فلا ينتفع بهذه الهداية والرحمة وهذا الشفاء إلا المؤمنون, وذلك على قدر إيمانهم, فالكُمَّل هدايتهم ورحمتهم وشفائهم تامة , وغيرهم على حسب إيمانهم.
فهو كما قال المولى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} ، والمرء قد سمع الآيات هذه مرات كثيرة، ومع ذلك لم يستهدِ بهداية القرآن الكريم، بل حال المؤمنين اليوم الإعراض عن هذا الكلام، والهجر له الذي يدخل في قوله تعالى في شكوى النبي - صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30] .
قد هجروه علمًا وتَعَلُّمًا، وتلاوةً، وحفظًا، وعملًا، ودعوةً، وشفاءً، وتحكيمًا وتحاكما. هذه الأنواع من أنواع الهدي قد تُرِكَت حتى لم يكن القرآن على قلوبهم بهذا الشفاء، فهل لو كانوا مُصَدِّقين بأنَّه شفاء وأنَّه هدى، وأنَّه رحمة تراهم قد قصَّروا فيه؟!
مَن الذي حصل من ذلك شيئًا؟ من الذي حَزُنَ على أنه لم يحصل شيئًا؟ ومَن الذي حاول أن يجاهد على تحصيل شيء منها؟ ومَن الذي آلمه وأحزنه أن يبعد عن القرآن، وأن يكون بينه وبين القرآن هذه الوحشة، وأن يكون في الصَّفِّ الأخير الذي لم يحصل من كلام الله تعالى لا شفاء ولا هدى ولا رحمة؟ - -
-قد جاءكم الحل من ربكم كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} الآية التي ذكرناها، وفي آية النساء كذلك: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء:174 - 175] .
(1) سبق تخريجه.
(2) وفي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَنْكِبِى فَقَالَ: «كُنْ فِى الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ» . البخاري: (6416) .