فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 40

و حَلُّ ذلك أيضا: في كلام الله تعالى.

وقد ذكر الله تعالى أن حل هذه المشاكل التي نواجهها إنما هي في الرجوع إلى كلامه سبحانه وتعالى؛ إذ القرآن سبب نزول البركة، وسبب انتشارها في الوقت، والجهد، والمال، والولد، والصحة حتى يستطيع المرء -كما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بالأعمال التي لا يتخيل أنه يستطيعها.

تُراهم في هذا الوقت القصير الذي قضوه في الدنيا -رضوان الله تعالى عليهم- كانوا يستطيعون أن يفعلوا ذلك كله، أن يفتحوا الدنيا، وأن يجاهدوا، وأن يُصَلُّوا، وأن يقوموا لله تعالى، وأن يذاكروا العلوم الشرعية، وأن يسافروا المسافات البعيدة جدًا للجهاد وطلب العلم، ولم يكن متيسرًا لهم هذه المركوبات التي يركبها النَّاس اليوم، ولا هذه الأمور التي تُخَفِّف عنهم مشاق الحياة، بل كانوا يتحملون كل هذه المشاق، وكل هذا التعب، ومع ذلك بُورِك لهم في وقتهم وبورك لهم في جهدهم، وبورك لهم في سعيهم، وبورك لهم في خطواتهم، وبورك لهم في مالهم وأولادهم، وبورك لهم في صحتهم؛ كان الضعيف منهم يقاتل على هذا النَّحو الذي سَمِعنا، ويُجْرَحُ ويقاتل، ويجرح ويقاتل ويعود، ولم يكن هناك ما يضمد به جراحه، أو من يقوم عليه بما تعود به صحته؟!

وسبب هذه البركات التي نزلت عليهم، وهذه الرحمات التي حَلَّت بهم هو القرآن الكريم، وانظر إلى ما رُفِعَ عنَّا منها. وإذا رُفِعَ شيء من ذلك فإنما نحن السبب , قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] .

أوصاف القرآن الكريم:

ونذكر شيئًا قليلا من أوصاف القرآن - و بعض المعاني المهمة المتعلقة به حتى - يكون ذلك - دافعًا للمرء لزيادة محبته للقرآن الكريم وإقباله عليه:

-أولا الموعظة:

الله تبارك وتعالى يَمْتَنُّ على المؤمنين بكل هذه المنن والنعم - كما يقول ابن كثير وغيره من المفسرين - في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [يونس: 58:57] .

-ونستفتح بهذا المعنى الذي قد فُقِدَ في حياة المؤمنين ..

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} الموعظة هي ذلك الزَّاجِر الذي يحمل النَّاس على الطاعة، ويمنعهم عن الفحشاء والفسوق.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني: تَحْمِلُكُم على الاستقامة، والبُعد عن المعصية، - والسير - في الطاعة. هذه الموعظة تأخذ بقلوبكم وعقولِكم إلى الله تبارك وتعالى، وهذه الموعظة مِنَّةٌ من الله تعالى لكم، حتى لا يترككم سبحانه وتعالى بغير موعظة، تثبت أقدامكم وتحفظكم في طريقه فلا تروغوا عنه، وإنما كان من رحمته عليكم، ومِنَّتِه بكم سبحانه وتعالى أن أرسل إليكم هذه المواعظ كما ذكر المولى -سبحانه وتعالى- في هذا القرآن في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه:113] . لعلهم يتقون به المولى سبحانه وتعالى، أو يُحْدِث لهم هذا القرآن الذكرى والعِظة والاعتبار التي تحملهم على السير إلى الله تعالى.

وقوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ففي إضافة الرب ... لهم {رَبِّكُمْ} دليل العناية بهم, والشفقة عليهم إذ هو مولاهم ومربيهم بنعمه.

ثانيا الشفاء:

أُصِيب المؤمنون اليوم بأمراض كثيرة في قلوبهم وأبدانهم، وأمراض القلوب هي الأساس في ضعف الإيمان، وقلة الطاعة، والركون إلى الدنيا، والميل إلى الشهوات، ونسيان الآخرة، والغفلة عن الرحيل إلى الله تعالى، والاستعداد لذلك، والشوق إلى لقائه.

وهذا القرآن قد جاء ليستشفيَ المرء به من جميع العلل؛ من عِلل الشبهات والشهوات. وكلامُ الله تعالى صادق، ونحن المقصرون الخطاءون - بسبب عدم تلقي هذا القرآن الكريم التلقي الحسن الذي ذكره الله تعالى في كتابه فلم ينتفعوا بهذه الموعظة، ولم ينتفعوا بهذا الشفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت