فنقول له: نعم الحق يؤخذ من كل من قاله ، والسلف الصالح لا يتوقفون عن قبول الحق ، مع ذلك لم يقولوا خذ الحق من كتب أهل البدع واترك الباطل ، بل نادوا بأعلى أصواتهم بتركها كليًا ، بل وأوجبوا إتلافها ، وذلك لأنّ الحق الموجود في كتب أهل البدع إنما هو مأخوذ من الكتاب والسنّة ، فوجب أن نأخذ الحق من مصادره الأصلية ، التي لا يشوبها كدر ولا بدعة ، إذ هي المعين الصافي والماء العذب .
قال الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول:
"سلام بن أبي مطيع من الثقات ، حدثنا عنه ابن مهدي ، ثم قال أبي: كان أبو عوانة وضع كتابًا فيه معايب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيه بلايا ، فجاء سلام بن أبي مطيع فقال: يا أبا عوانة ، أعطني ذاك الكتاب فأعطاه ، فأخذه سلام فأحرقه . قال أبي: وكان سلام من أصحاب أيوب وكان رجلًا صالحًا".
وعن الفضل بن زياد أن رجلًا سأله عن فعل سلام بن أبي مطيع ، فقال لأبي عبد الله: أرجو أن لا يضرّه ذاك شيئًا إن شاء الله ؟ فقال أبو عبد الله: يضره !! بل يؤجر عليه إن شاء الله .
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عن الكرابيسي وما أظهره ؟ فكلح وجهه ثم قال: (( إنما جاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها تركوا آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، وأقبلوا على هذه الكتب ) ).
وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة ، ترى أن أخرقه أو أحرقه ؟ قال: نعم . قال المروذي: قال أبو عبد الله: يضعون البدع في كتبهم ، إنما أحذر منها أشد التحذير .
وقال الإمام أحمد -أيضًا-: إياكم أن تكتبوا عن أحد من أصحاب الأهواء قليلًا ولا كثيرًا ، عليكم بأصحاب الآثار والسنن .