الصفحة 9 من 147

والمحزن حقًا أن أغلب مَنْ كَتَبَ ويكتب في تاريخ الدعوات الإصلاحية والتغييرية، لا يحاول أبدًا أن يوجه نقدًا، أو يقدم تقويمًا، وإنما يسلك منهجًا أقل ما يوصف به بأنه عاطفي يغلب عليه التبسيط وأحيانًا التسطيح، قد يتجاهل الداء أو يخفيه، ظنًا منه أن النقد يرادف التجريح والغيبة المنهي عنها، الأمر الذي يسمح للداء بالتكرار والامتداد ويزيده تمكنًا.. ذلك أن جوهر التغيير والإصلاح النفسي والخلقي والاجتماعي والسياسي، يقوم على أساس النقد والتقويم، واستشعار التناقض بين الواقع الذي نعيشه، والمثال الذي نسعى إليه.

ولعل من المهم أن نشير إلى أن مبدأ النقد أو منهج النقد له أصوله وأخلاقه وآدابه، فلا يجوز أن يتعرض للأشخاص وشؤونهم الذاتية إلا بالأقدار الضرورية التي تخدم الموضوع، لأنه بذلك يتحول عن غايته الإصلاحية ويصبح عامل هدم وجلد، وتشهير وإساءة، وإنما يتوجه صوب الأعمال والمسالك التي تمس شؤون الحياة العامة، اقتداء في ذلك بمنهج النبوة: (ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا) ، بلا بَخس ولا تطفيف.. مع مراعاة أن النقد لجانب من جوانب دعوات الإصلاح، لا يعني الإلغاء لإنجازاتها وفضلها وكسبها الطيب، واختزال تاريخها في عمل خاطئ أو موقف عاجز متخاذل، والحكم عليها من خلاله، وإنما يعني التوازن، وضبط النِّسب، وإعطاء كل شيء حقه من الحكم، صوابًا أو خطأ، في ضوء معايير معرفة الوحي، بعيدًا عن الذاتية والنرجسية والمعايير الشخصية، وتقديم هذا الرصيد من تقويم الخطأ والصواب للقادمين على الطريق.

وقد يكون من المحزن أيضًا، ضمور وانكماش الأدبيات النقدية لدعوات الإصلاح والتغيير الحديثة والمعاصرة، على الرغم من الشكوى المرة من أنها جميعًا تكرر التجارب نفسها ولا تفيد من أخطائها أو أخطاء مَن سبقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت