ولعلنا نقول هنا: بأن الارتكاز إلى معرفة الوحي (قيم الكتاب والسنة) ، هو وحده الذي يحقق الانتشال الحقيقي للإنسان من تحكم العادات والتقاليد والإرث الآبائي في التشكيل الثقافي وإرادة التغيير، وهو الذي يشكل معايير التغيير والإصلاح، ويمنح الاطمئنان وقوة العزيمة على الانعتاق من البيئة المتحكمة، والبدء بإصلاحها.
وعملية التغيير والإصلاح -كما هو معروف- لابد أن تُسْبَق باكتشاف الواقع، والإدراك الكامل له، وتحليله، والمفارقة بينه وبين ما يجب أن يكون، ومن ثم التفكير في الكيفيات والمناهج والبرامج التي تعيد مسيرة هذا الواقع إلى الجادة الصحيحة، في ضوء السنن التي تأخذ بالاعتبار الإمكانات المتاحة، والظروف المحيطة، والميراث الثقافي والحضاري، وعقيدة الأمة، ومعادلتها الاجتماعية، وحالتها الثقافية.
ذلك أن أية دراسة لدعوات الإصلاح، أو للواقع الذي تريد تغييره، تتطلب عملية نقدية جريئة، لأنها ضرورة لأية دعوة إصلاحية تغييرية، تريد أن تقوم على خطة استراتيجية ومنهج ونظام يسعى إلى تحقيق أهداف معينة، وإلى تسجيل غايات كبرى في الواقع التاريخي، وتنبيه الأذهان إلى العيوب المنهجية في دعوات الإصلاح السابقة، التي أدت إلى الإحباط والفشل رغم توفر الطاقات المادية والإمكانات النفسية.
وعملية النقد للدعوات الإصلاحية والتغييرية، لا يمكن أبدًا أن تُصَنَّف في خانة الحط من قدرها أو بخسها حقها، وإنما تعني تقديرها والعناية الكاملة بها، ومحاولة الإفادة منها، وذلك بامتلاك القدرة على استصحابها وحسن الإفادة منها، وإضافة رصيدها من الصواب، والخطأ الذي تقود معرفته إلى الصواب، لدعوات الإصلاح والتغيير الحديثة أو المأمولة.