والمنهج النبوي أكد على أن عمليات الإصلاح ومحاولات التغيير، تبدأ من تحرير الإرادة، وتحرر الضمير.. تبدأ من داخل النفس.. ذلك أن القيام بأي عمل مؤثر في الواقع الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي، غير ممكن قبل تحرير الإرادة وانعتاق الضمير من رواسب ذلك الواقع وتأثيراته، الأمر الذي يمكِّن من إعادة صياغة الإنسان، وإعادة تشكيله، باعتباره أداة التغيير وهدفه في وقت واحد، وعلى الرغم من أن الإنسان نفسه يتأثر بالواقع، لكنه في ذات الوقت يؤثر به.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى إرادة الإنسان هي مفتاح التغيير والإصلاح، فقال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد:11) ، وكأن سياق الآية -وكل شيء عند الله بقدر- جعل إحداث التغيير من الله منوط بإرادة التغيير من الناس.. فهو بقدَره أراد لهم أن يريدوا ذلك، لإحداث التفاعل والوصول إلى الأهداف.
وإرادة التغيير، لا تنافي القَدَر -ولا تصادمه- الذي بات يشكل تُكَأَةً ومسوِّغًا للقاعدين والمنسحبين وأصحاب المذاهب الإرجائية، ومن ينتسبون إلى القَدَر، ويدّعون الإيمان به، بل هي من القَدَر، حيث إن الله هو الذي أراد لنا أن نريد -كما أسلفنا- وأن ندفع الأقدار بأقدار أحب إلى الله منها، كما يقول ابن القيم رحمه الله، بفهمه الدقيق ورؤيته الذكية: (ليس المسلم الحق هو الذي يستسلم للقدر(والاستسلام غير الرضا) ، وإنما هو الذي يدفع القَدَر بقَدَر أحب إلى الله منه).
وهذه المدافعة للأقدار بالأقدار، التي هي من أمر الله أيضًا، لا تتأتى إلا بإدراك سنن الله الاجتماعية في الأنفس، وسننه الكونية في الآفاق.. فهي ليست أمنية عائمة بمقدار ما هي إيمان بصير، وإرادة ومعرفة بالإمكان، وعلم بالسنن الفاعلة، يمنح القدرة على إدراكها وفاعليتها، ومن ثم المداخلة في مسارها وتسخيرها.