وأية دراسة تقويمية في هذا الميدان، لابد لها من الإحاطة الكاملة بدعوات الإصلاح والتغيير، ودراسة ظروفها وطروحاتها ووسائلها، وما واجهها من عقبات، وما أصابها من عثرات، وما لحقها من تداعيات، في ضوء منهج واضح ومدروس.
ولعل من أهم القضايا المطلوبة في هذا الإطار، دراسة الظروف التي عملت فيها تلك الدعوات، ومناقشتها بجرأة وأمانة، سواء على مستوى التنظير أو على مستوى الممارسة والتطبيق، وإلى أي مدى خرجت من داخل الأمة، وتشكلت في رحمها، وتجاوبت مع معادلتها الاجتماعية ؟ وقد يكون المطلوب كذلك عدم الاقتصار على دراسة دعوات التغيير والإصلاح والتجديد، التي خرجت من الداخل الإسلامي، وإنما أيضًا دراسة تيارات التغريب والاستلاب الحضاري، ورصد تأثيرها وأثرها، وكيفيات التعامل معها، وتحديد موطن الصواب والخطأ.
وأعتقد أن المنهج المعتمد في دراسة دعوات الإصلاح والتغيير في الداخل الإسلامي، لابد أن يكون من عطاء النبوة، ومنطلقًا من معرفة الوحي الخاتم، التي وفرت لها جميع التجارب التاريخية، وأوقفت عليها وقدمت لها النماذج المتعددة، لاختصار التجربة والبدء من حيث انتهى الآخرون، وعدم السقوط بالحفر نفسها، حتى (لا يُلْدَغ المؤمن من جُحْرٍ مرتين) .. فالرسول صلى الله عليه و سلم على الرغم من أنه خيار من خيار من خيار، من حيث المؤهلات والمزايا الشخصية، وأنه محل الرسالة الخاتمة -والله أعلم حيث يجعل رسالته- وأنه معصوم، مسدد بالوحي ومؤيد به، قدمت له النماذج والتجارب النبوية، التي سارت وفق السنن، وطلب إليه أن يتعرف على هذه التجارب، ويقتدي بالجوانب الإيجابية، ويَحْذَر ويُحذِّر أمته من علل التدين التي كانت سبب السقوط الحضاري، قال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) (الأنعام:90) .