ولعل من أخص خصائص التفكير الاستراتيجي: استشراف الماضي، والتوغل في العمق التاريخي، واستيعاب التجارب، واكتشاف العلل الحضارية أو علل التدين، وجوانب القوة والنهوض، وأسباب الضعف والسقوط، وتحديد السنن الاجتماعية الفاعلة في الحياة والأحياء، والإحاطة بالقضايا المطروحة، وتحليل جوانبها المتعددة، وسننها أو قوانينها، والنظر في نتائج هذا الماضي، المتمثلة في الحاضر بكل معاناته، ومحاولة وضع هذا الحاضر في موقعه المناسب من مسيرة الأمة، وبناء الخطة المستقبلية بحيث تكون واضحة الأهداف الاستراتيجية والأهداف المرحلية، ودراسة الاحتمالات والتداعيات الممكنة، لأخذها بالاعتبار والاستعداد لها، والتعرف إلى الأولويات، واعتماد سنة التدرج وعنصر الزمن كوعاءِ حركةٍ وقيمةِ إنجاز في الوقت نفسه، والتعامل مع المتاح، وعدم خلط الأهداف بالوسائل، والإمكانات بالأمنيات، والحماس بالاختصاص، والإحساس بالإدراك، وتجنب عثرات دعوات الإصلاح والتجديد والتغيير، والتخلص من حالة الانطفاء الثقافي، الذي يبعثر القدرة، ويعطل الإرادة، مستعينين بالله في كل أحوالنا -اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام- من العجز الذي يشل القدرة، والكسل الذي يميت الإرادة، حيث كان من دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم المأثور والدائم: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ) (متفق عليه) .
وقد يكون من القضايا الأساسية المطلوب أن نعرض لها، ونحن بسبيل الكلام عن رائد من رواد الحصانة الحضارية والثقافية والتحضير للإصلاح والتغيير، أن نلقي بعض الأضواء على قضية ملامح دعوات الإصلاح والتغيير بشكل عام، لأنها من أهم القضايا، فيما نرى، وتكاد تكتسب أهميتها أكثر فأكثر من خلال معاناتنا، وعجزنا عن الإفادة من تجاربنا، والاقتصار على مدحها والافتخار بها فقط، دون القدرة على تمثلها وتحليلها، وبيان صوابها وخطئها، لستر عجزنا ومعالجة مركب النقص في نفوسنا.