... الموضع الثاني: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَاْ فَاْسْأَلُوْهُمْ إِنْ كَاْنُوْاْ يَنْطِقُوْنَ} إن المسألة- هنا- فيها شرط وجزاء، فهو علّق واحدة على أخرى (أي إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم فحيث إنهم لا ينطقون فلم يفعله كبيرهم) فعلق الاثنين ببعضهما البعض. المسألة مربوطة بـ (إن كانوا ينطقون) المسألة تريد أحدًا يفهم، وقوم إبراهيم لم يكونوا يفهمون.
... بعض الناس نسب للكسائي قال: (إنه وقف على قوله فعله) أي في القراءة قرأ (بل فعله) ثم وقف، فالكلام له تتمة، ففعله كائنا من كان، هذا هو التأويل. فيبدأ القراءة بـ (كبيرهم هذا) ثم يقف، ثم (إن كانوا ينطقون) طبعا هذا الكلام لا يخفى تكلفه، فمسألة الوقف والوصل هذه مسألة تابعة للمعاني، لهذا يضع لك في المصحف علامة الوقف اللازم، أي يجب أن تقف هنا، لأنك لو وصلت لغيرتَ المعنى، فمسألة الوقف هذه إنما هي خاضعة للمعاني، نحن نقف في الأصل على المعاني.
... أي إشكال في هذا الحديث؟ حتى يقول الفخر الرازي إما [أن يكون] إبراهيم عليه السلام كذاب، أو الرواة كذابون، وحاشا أن يكذب إبراهيم فهم الكذابون؟ من يقول هذا الكلام؟ ولم يتعب نفسه؟ كثير من المتكلمين لا يتعب نفسه بالتأويل. أسهل شيء عنده أن يقول لك: الرواة غلطوا. فأنت حتى تجزم بغلط راو يجب أن تقوم بالبحث الذي فعلته اليوم، تنظر في الرواة وتنظر في ترجمة كل راو على حدة، ثم توازن بين الرواة، هذا أكبر من هذا، هذا له خصوصية على هذا.. موضوع كبير وليست مسألة سهلة، وفي النهاية تخرج النتيجة إذا كان هذا الحديث شاذا أو منكرا أو يمكن تأويله.. الخ.
... فعلم الحديث علم جليل بُنيت عليه شريعتنا كلها، لهذا يقول العلماء: علم الحديث خادم وبقية العلوم مخدومة، والخادم هو الذي له ميزة، فلو أن ملكاَ لا يعرف أن يفعل شيئا، يحضر خادما ليفعل ما يحتاجه أم لا؟ الخادم هذا إذا غاب، ماذا يفعل؟ فهو بالخادم أم لا؟ هو بالخادم.