... لنر المواضع الثلاثة هذه، أوقعت كذبا في أذن المستمع أم عند المتكلم؟ نأتي على الأولى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِيْ النُّجُوْمِ فَقَاْلَ إِنِّيْ سَقِيْمٌ} أي أنا مريض. أكان مريضًا حقًا؟ لا. بعض العلماء يقولون إن الحمى كانت تأتي إبراهيم على فترات، فكان في هذا اليوم محمومًا. طبعًا هذا الكلام بعيد، لماذا؟ لأنه لو كان مريضًا لم يكن هذا كذبًا لا تصريحًا ولا تلميحًا. والحديث هنا (لم يكذب إلا ثلاث كذبات) فالمفترض إذن أن هذه ليست كذبات، فلو كان مريضًا حقيقة لم يكن هذا كذبًا فلا يدخل في الكلام، لكن قال (إني سقيم) لأنهم يريدون أخذه عند الآلهة وهو لا يريد الذهاب إلى المحفل الشركي، فيريد التخلف عنهم، وذلك كان قبل أن يجهر بالإنكار عليهم، فلم يكن يريد الذهاب، أي كأن المسألة كانت مسألة تدرج، قال العلماء: كثيرا ما يستعمل اسم الفاعل لما يقع مستقبلا، فإني سقيم، أي: سأسقم.. أو سأمرض. وهي إن كانت قد وردت على [صيغة] اسم الفاعل، فهو يعني ما ستكون عليه في المستقبل.
... الشيء الثاني: (إني سقيم) أي بالموت، فمن يعرّض يقصد أي معنى عنه، لا نقول له لماذا أتيت بهذا المعنى؟ فهو حرّ، يقصد أي معنى، فحين يقول لك أحد: تعال كل. قلت إني صائم، ممكن أن يكون صائما عن طعامك خصوصًا، صائم عن اللغو والرفث، صائم عن أي شيء، لكن هي عندك لها تأويل ووقعت كذبا عن المستمع، ونحن بحثنا في المستمع وليس في المتكلم. لم يكذب إلا ثلاث كذبات، أي لم يقل قولا وقع كذبا في أذن المستمع إلا ثلاثا. هذا تأويل الكلام. فإما (سأسقم) أو (سأموت بالسقم مثلا) أو (إني سقيم عن حُجّتكم) .