الصفحة 32 من 84

الحديث الأول في المتابعات، حديث أبي بردة: ( لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حدّ) أي لا يجلد أحد تعزيرًا فوق عشرة أسواط إلا في حدّ؛ لأن الحد يكون عدد الأسواط فيه عددا محددًا- {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ فَاجْلِدُوْاْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَاْ مِائَةَ جَلْدَةٍ}

إلا في حد فلا يزيد الوالي تعزيرًا فوق عشرة أسواط، فأعلى التعزير الجلد عشرة أسواط، إلا أن يكون في حدّ، ومع ذلك فإن الإمام البخاري أخرج هذا الحديث عن يحيى بن سليمان متابعًا أحمد بن عيسى، وقد رأيت له أكثر من خمسة من الثقات تابعوه في هذه الأحاديث. فهذا هو الحديث، فإن كان مسلم أخرج لأحمد بن عيسى وحده، إلا أن أحمد بن عيسى متابع في كتب أخرى، ولم ينفرد أحمد بن عيسى بحديث قط أخرجه له مسلم في صحيحه.

فالإمام مسلم رحمة الله عليه حين يخرّج للرواة المتُكلّم فيهم، إنما يخرّج لهم ما توبعوا عليه، ولم يخرّج لهم حديثًا واحدًا انفردوا به، إلا ما رأيته من أسباط بن نصر، فإني لم أرَ أحدًا تابعه في هذا الحديث، فيُحمل ذلك على أن مسلمًا انتقى من حديثه ما لم ينكروه عليه.

فلا يأتي قائل فيقول:إن هذا الراوي متُكلّم فيه، فهذا الراوي ضعيف، كيف خرّج مسلم له ؟

خرج مسلم له، أو خرج البخاري مالم ينكروه عليه، والإمام مسلم إمام مميِّز ناقد، والإمام البخاري إمام مميِّز ناقد، فحين يقول: الرواية هذه صحيحة- صحيح الراوي تُكلم فيه- لكن هذه الرواية لم يلغط فيها. [عندئذٍ] يسلم له فيما يقول، كما يسلم لأهل كل فنٍّ في فنّهم، يسلم للغويين في اللغة، وللفقهاء في الفقه، وللقراء في القراءات، وللأطباء في الطب، وللمهندسين في الهندسة، وللتجار في التجارة، كما يسلم لكل واحد في فنه، يسلم للمحدثين في فنونهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت