ولعل كذلك إحدى الصور البليغة التي يستشهد بها من القرآن الكريم قصة الهدهد مع نبي الله سليمان- عليه السلام-، إذ يبرز مفهوم الإيجابية واضحا.. إذ كيف سار الهدهد بمفرده دون تكليف مسبق، أو تنفيذ لأمر صادر، و جلب خبرا للقيادة المؤمنة أدى إلى دخول أمة كاملة في الإسلام، وبالطبع فإن تقفد الأمير للأتباع، وأخذه الأمر بالحزم، ثم المحاسبة، وتبين العذر.. كل ذلك من أسس الإدارة، وقواعد التخطيط، ومناهج التربية، وقد وصف القرآن الكريم عمل هذا الهدهد بقوله:"فمكث غير بعيد، قال أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم" [1]
وبالطبع، فلا يعني الاستدلال: الحرص على التسيب، وإنما المقصود الأخذ بمعنى الإيجابية الهادفة بضوابطها، دون الخروج على أهداف الجماعة ووسائلها، أو مبادئها العامة، أو أن تكون على حساب الأوامر والأعمال الراجحة، وما إلى ذلك مما هو معلوم، بل وإن نفس القصة لتدل على ذلك حيث سمة اليقظة والدقة في العمل، وتفقد الأفراد والحرص عليهم، وضرورة الطاعة والمحاسبة عليها، ثم الحزم القيادي وعدم التسيب في معالجة الأمور، ثم الإصغاء للأتباع ومعالجة المواقف، وغير ذلك مما هو ليس مجال الاستدلال له، ولكن الاستدلال لطبيعة الهدهد صاحب الذكاء والوعي والإدراك والإيمان، حيث استغل فرصة ما ليبلغ خبرًا مهما، حرصًا منه على تبليغ الرسالة، وطمعًا في نشر التوحيد، مع براعة في حسن الأداء، وجودة العرض، وشجاعة الاعتذار.
وما اختيار القصة إلا للاستدلال بها،كي يؤخذ من ثناياها ثلاثة أمور يستنبط بالأدنى منها على الأعلى
(1) النمل: 22 / 23