الصفحة 33 من 39

والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعمل، ومثلَ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). حديث متفق عليه...

(فالنبي- صلى الله عليه وسلم- جعل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض في قبَول الماء، فشبه من تحمل العلم والحديث وتفقه فيه بالأرض الطيبة، أصابها المطر فتنبت وانتفع بها الناس، وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء فيأخذه الناس، وينتفعون به، وشبه من لا يفهم، ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه...) [1]

وهكذا، ما على الداعية سوى أن يقول كلمته المعطاء الطيبة ولا يهتم بكثرة الخاسرين الذين هم كالقيعان، فهنالك من الناس من هم كالأرض الصلبة سينقلون الكلمة الطيبة وتنتفع بها خلائق ويشر كثير، وقد تثمر في مكان آخر، أو تؤتي أكلها في زمن آخر، وقد يستمع للكلمة أناس كالأرض الطيبة لا تلبث أن تسمع مع صدى الكلمة تكبيرات مدوية، ولا تمكث حتى ترى لنور الكلمة بريقًا يأخذ بالأنظار، فتحيا بالتكبير نفوس، و بالبروق تبصر عيون، والأجر من بعد ذلك مكتوب لصاحب الكلمة.

وأخيرًا.. فلعل هذه الكلمة الطيبة هي من أنواع ما عناه سيد الخلق صلى الله عليه و سلم بقوله فيما رواه البخاري:

(إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم) .

وقد ركز العلماء السابقون على الشطر الثاني من الحديث لكثرة المتحدثين في المجتمع الإسلامي، ولم يُتحدث عن شطره الأول إلا القليل، ومما قيل:

(1) شرح السنة للبغوي 1 / 289

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت