وأن أم المؤمنين قالت عن صدقة حبة العنب: كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة... وعن سعد بن أبي وقاص عندما دفع لسائل تمرتين: ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة. 00) [1]
وفي استلهام الداعية لمثل هذه النصوص دافع كبير إلى عدم استصغار الأعمال الصغيرة، أو الأقوال العارضة في دعوته، فلا يبخس في الحديث للأهل، أو الكلام لطفل، أو التربيت على كتف غلام، أو التبسم لجار في طريق، أو النصح لمرافق في العمل، أو الاستماع لكلمة أو مقالة، أو التنصت للقرآن الكريم أثناء سياقة السيارة، وشبه ذلك مما يكسب الأجر الكبير، والمثوبة العظيمة، والله يضاعف لمن يشاء.
إن من يعتدي ويكسب إثما وزن مثقال ذرة سيراه
وئجازى بفعله الشر شرا وبفعل الجميل أيضآ جزاه
هكذا في قوله تبارك رلي في (إذا زلزلت) وجل ثناه
وعدم الزهد في القليل أولى من القعود، والسكوت والقعود أولى من الحديث بالباطل، فإن النفوس مجبولة على العمل وحب الحديث، فإذا لم تجتمع على الحق، فرقتها أحاديث الباطل، والشيطان لا يدع الإنسان في عزلة من أمره، فما أن يترك الإنسان العمل الصائب حتى يشغله الشيطان بترهات الباطل، وكم هي التجارب الناطقة من محيط الدعاة، فإن أحاديث الغيبة، وعبارات التهكم والسخرية، وأقوال النقد والتثبيط، لا تتم إلا من القاعدين والكسالى، ولا تنمو إلا في أجواء الراحة والفتور، وخصوصًا عند الشباب، وفي هذا يقول أبو العتاهية في حكمته التي تتردد عبر الأجيال:
إنما الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده
و إياك والفراغ
وقبله كره ابن مسعود الفراغ للمرء مهما كان، فقال: (إني لأكره أن أرى الرجل فارغًا ليس في عمل آخرة، ولا دنيا...) وما أكثر ما نطق الشعراء والحكماء بهذا المعنى، حيث إدراكهم لمعنى الحياة، وضرورة استثمارها...
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
(1) تفسير القرطبى 20/ 152