الصفحة 15 من 39

وفي الإيجابية احترام للنفس، وثقة بها، حتى لا يستهين المؤمن بنفسه، ويغرر به الشيطان أنه لا يصلح لأمر ما فيقعده عن العمل، أو يزهده عن الأداء، إذ قد يأتي الشيطان عن طريق إشعار الداعية بأنه لا أهمية له، أو يحدثه بأن العمل ضرب من الرياء، وأن الحديث فيه مظاهر الغرور، فيحبب له العزلة، ويزين له الانكماش، ويصور له العزلة ورعًا، والانكماش تعففا، وعدم الحديث تواضعًا، فيفوت عليه المصالح، ويسد عليه طرق الخير، وتذهب عنه الأوقات، وتهدر فيها الطاقات، وإذا ما عجز الشيطان عن ذلك، فإنه يريك الأولويات على الداعية، ويقوده لترك الأفضل وإتيان المفضول ، تحت نفس التبريرات، ووفق نفس الحجج، ولهذا كان من الضروري تفهم الداعية العلم الشرعي الذي يسد به منافذ الشيطان، ويغلق به أبواب إبليس، ومن أول العلم الثقة بالنفس، وتأييد الله تعالى.

ومن الثقة بالنفس معرفتها، والتوجه إلى المعالي دائمآ، والرنو نحو القمم السامقة ، أما رأيت لذلك الرجل الذي قيل له: عندي لك حويجة، فقال له: أطلب لها رجيلًا، فإنه يبحث عن القضايا التي يطلب لها الرجال، وهكذا يفعل أصحاب العزائم، حتى ولو كانوا من طلبة الدنيا، ولعل من هؤلاء يزيد بن المهلب الذي هرب من الحبس، فقيل في قصته أنه مر برهط من أهل البرية رعاة، فقال لغلامه: استسقنا منهم لبنًا، فسقوه، فقال: أعطهم آلفًا، قال: إن هؤلاء لا يعرفونك، قال: لكني أعرف نفسي [1]

(1) سير أعلام النبلاء 4 / 3،5،1 /375 ورجاله رجال الصحيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت