وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرت به امرأة فوقعت في نفسه فأتى أهله فقضى حاجته ثم خرج إلى أصحابه فقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد مافي نفسه , وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما أتاه زيد يريد طلاقها يأمره بإمساكها وهو يحب طلاقها ويخشى مقالة الناس: تزوج امرأة ابنه , فقال الله له: {وتخفي في نفسك مالله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} فكانت عائشة وأنس والحسن وغيرهم يقولون: لو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية.
قال ابن القيم: ولاريب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حبب إليه النساء كما في الصحيح عن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم: حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة , قال: زاد الإمام أحمد في كتاب الزهد في هذا الحديث: أصبر عن الطعام والشراب ولاأصبر عنهن , وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك فقالوا: ماهمه إلا النكاح , فرد الله سبحانه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونافح عنه فقال: {أم يحسدون الناس على ماآتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} .
وقال ابن القيم: نكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواء شرعا وقد تداوى به داود - صلى الله عليه وسلم - ولم يرتكب نبي الله محرما وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته ولايليق بنا المزيد على هذا. [1]
يعني بذلك ماورد في تفسير قوله سبحانه: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ... } وملخصها أن داود عليه السلام من شدة عبادته وقع في نفسه أنه قادر على مجابهة الفتنة فأخبره الله بأنه سوف يختبره ووقت له ذلك، وفي ذلك اليوم دخل محرابه وأمسك بالزبور ومنع من الدخول عليه، فإذا به بطائر من الذهب فأذهله ومد يده ليمسك به فطار إلى كوة فدنا منه ليأخذه فوقع بصره على امرأة تغتسل فأعجبته ولما رأته تجللت بشعرها فازداد إعجابه بها.
واختلف أهل التفسير فمنهم من قال: فطلب من زوجها أن ينزل له عنها , وهذا مروي عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وابن زيد , وقال آخرون: وكان زوجها في غزاة فأمر به أن يكون من حملة التابوت فإما يفتح عليهم وإما استشهدوا، فاستشهد , وهذا مروي عن ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم وروي مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسند ضعيف , المهم أن داود عليه السلام تزوجها وضمها
(1) الداء والدواء لابن القيم ص358.359.