(أ) فهو ذو أثر كبير في دفع الشعور بالغربة الفردية، وتحويله إلى شعور جماعي منتج مثمر، وفرق كبير بين فرد يحس بغربته عمن حوله، فيتجافى عن واقعه، ويضرب على نفسه سورًا من العزلة، وبين فئة مترابطة متكاتفة تشعر بغربتها وتميزها، وتعلم أن الله فضلها واختارها لتؤدي دورًا عظيمًا في التاريخ، فيدفعها ذلك إلى مزيد من التلاحم والبذل والعطاء، ويغرس فيها شعور العزة والاستعلاء.
وهذا هو الشعور الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعثه في أصحابه في مواقف عديدة.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد:"ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم"، وفي رواية: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة، وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب الشفق، إلى ثلث الليل الأول [1] .
فهو صلى الله عليه وسلم يحيي في نفوس أصحابه تفردهم بهذه الفضيلة، وتميزهم بها عن غيرهم؛ ليزيد من رغبتهم في التنافس على الخير وإحساسهم بفضل الله عليهم.
(ب) وهذا الترابط والانتماء من أسباب تثبيت المؤمن على دينه، وتحريضه على الصبر عليه، وعلى ما يلقاه في سبيله، فالإنسان مهما يكن مؤمنًا تصيبه الوحشة من قلة الموافقين، ويشعر بالاعتزاز بكثرتهم وقوتهم، وهذه فطرة جبلِّية مركوزة، لا يكاد ينفك عنها الإنسان، وتزايد عدد المؤمنين- مع ما يولده من العزة- هو خطوة نحو تحقيق كيان مستقل لهم، وبناء دولة تحميهم؛ ولذلك قال عمر: ولله لو بلغنا ثلاث مئة لأخرجناكم منها- يعني مكة [2] .
(جـ) وهو من أسباب التضحية والبذل والجهاد عند الصحابة، فإن
(1) رواه البخاري في 9 - كتاب مواقيت الصلاة، 22 - باب فضل العشاء (1/ 141) . باب النوم قبل العشاء لمن غلب: (1/ 142) .
وفي: 10 - كتاب الأذان، 162 - باب خروج النساء إلى المساجد (1/ 210) .
161 -باب وضوء الصبيان (1/ 209) .
ومسلم في: 5 - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، 39 - باب وقت العشاء وتأخيرها: (1/ 441) .
والنسائي في: 5 - كتاب الصلاة، باب فضل صلاة العشاء (1/ 239) .
6 -كتاب المواقيت، آخر وقت العشاء (1/ 267) .
والدرامي في: 2 - كتاب الصلاة، 19 - باب ما يستحب من تأخير العشاء، رقم (1216) ، (1/ 221) .
(2) وأحمد في المسند: (6/ 199، 215، 272) .
وابن خزيمة في: كتاب الصلاة، 26 - باب الخبر الدال على الرخصة في النوم قبل العشاء رقم (348) ، (1/ 179) .
وابن حبان- كما في الإحسان، كتاب الصلاة، ذكر خبر تعلق به من لم يحكم صناعة الحديث فزعم أن تأخير المصطفى صلاة العشاء كان ذلك في أول الإسلام، رقم (1526) ، (3/ 59) .
والرواية المذكورة هي في البخاري: (1/ 210) .
وللحديث شواهد عن أنس، وابن عمر، وأبي سعيد، وأبي موسى، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس، ومحمد بن المنكدر عن أبيه، وغيرهم.
(191) ... سبق في حديث ابن عمر.