الصفحة 165 من 583

وسائل دفع الغربة:

لقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم ثم أصحابه معه في دفع الغربة عن الإسلام وسائل شتى؛ بل لم يتركوا وسيلة مشروعة ممكنة إلا حاولوها، ولكن يمكن تحديد أهم الوسائل فيما يلي:

1 -تكوين الجماعة المسلمة:

فقد جاء الإسلام إلى بيئة تعتبر الانتماء للقبيلة هو كل شيء، وتتفانى في حفظ هذا الانتماء والقيام بحقوقه، والتضحية في سبيله.

فلما بدأ الرسول دعوته، والتف حوله المؤمنون، بدأوا يدركون إدراكًا عميقًا بُعد الفجوة القائمة بينهم وبين قومهم المشركين -من جهة-، ويشعرون بشدة القرب والتشاكل بينهم وبين سائر المؤمنين بالدعوة -من جهة أخرى-، وبدأوا يشعرون بعظيم مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ عن الله، والداعي الذي أنقذهم الله على يديه [1] .

فتآلفت قلوب المؤمنين، وكانت متباعدة، وتباعدت قلوبهم مع أقوامهم المشركين، وحل الانتماء للدين، وللجماعة التي تحمله، وتدعو إليه، محل الروح من الجسد، فما بقي ينافسه في القلب انتماء لشيء، لا لقبيلة، ولا لبلد، ولا لغيرهما، وصار الانتماء القبلي، أو الفئوي -في حدوده الطبَعية- ميدانًا للسباق في الخير، والتنافس في البلاء والجهاد والتضحية [2] .

وقد تجمع هؤلاء المؤمنون من شتى القبائل حول القيادة المحمدية، وخلعوا من أعناقهم نير الطاعة لشيخ القبيلة، أو زعيمها.

وهذا الترابط الشديد بين المؤمنين: في قلوبهم، وفي أعمالهم، وفي أشخاصهم، جعلهم فئة واحدة متراصة، وحقق لهم أهدافًا عديدة:

(1) كما في حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، في قصة الحديبية، وفيه قول عروة ابن مسعود الثقفي: إني جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر، والنجاشي، في ملكهما، والله ما رأيت ملكًا قط مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يُسْلمونه لشيء أبدًا، وكان عروة رأى ما يصنع الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، والحديث سبق في الحديبية.

(2) كما حدث حين قتل الأوس كعب بن الأشرف، فاستأذنت الخزرج رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - في قتل سلام بن أبي الحقيق، أبي رافع، فأذن لهم فقتلوه، وقد سبق بيان شيء من ذلك، وانظر: سيرة ابن هشام (3/ 286) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت