ذلك كان وادع اليهود ليتفرغ لغيرهم، ويأمن شرهم -إلى حين-.
ثم بدأ بعد الأحزاب في مرحلة الهجوم على الأعداء، حيث هاجم بني قريظة، ثم غزا بني المصطلق، ثم خرج إلى الحديبية، ثم خيبر، ثم مؤتة، ثم الفتح الأعظم وهكذا ... [1] .
وهذا ما لم يفعله صلى الله عليه وسلم في بداية العهد المدني.
أما بالنسبة لعنصر المكان فأول ما يلحظ: اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم للحبشة مكانًا لهجرة أصحابه، حيث يوجد فيها ملك عادل، لا يظلم عنده أحد، وقد أثبتت الأحداث دقة هذا الاختيار، حيث عاش المسلمون في خير دار، عند خير جار، وأمنوا على دينهم ولم يلقوا منه ظلمًا [2] .
بل أكثر من ذلك أن النجاشي -نفسه- أسلم، وتابع النبي صلى الله عليه وسلم [3] .
وحين نلحظ اتجاه السرايا والبعوث الأولى نجدها كانت موجهة إلى قريش -بالذات- غالبًا، وكانت مهماتها سريعة، تتمثل في الهجوم على بعض ركبان المشركين، وبث الرعب في نفوس المتربصين.
إن معرفة المسلم الداعي للأرض التي يتحرك عليها، والظروف التي يعيش فيها، أمر في غاية الأهمية، فالمناسب في زمان، أو مكان، قد لا يناسب في مكان، أو زمان آخرين.
والمرء في حال الاستضعاف، غيره في حال القوة، وهو في حالة التشتت والتفرق، غيره في حال الدولة وجمع الكلمة، ومن الخطأ أن تكون الدعوة إلى الله انفعالات وعواطف، وردود فعل يستجيب لها الإنسان دون وعي، ثم يعجب ألا ينصره الله!
(1) سبقت تفصيلات هذه الأحداث.
(2) سبق الحديث عن أم سلمة مرارًا.
(3) سبق الحديث عن إسلام النجاشي، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد موته، وتسميته له أخًا.