ومن هنا أيضًا نشأ التضارب، وسار عليه طه حسين فيما أسلفنا من القول:"خسرت الأخلاق وربح الأدب"وهو موقف يوحي به ظاهر المذهب، وعنه شاع هذا الخطأ حتى أصبح تبريرًا لكل تبذل مقصود، وحجة يسوقها أنصاف ###19### الفنانين بين أيدي الانحلال، يريدون أن يضفوا عليها ثوبًا من المشروعية الزائفة، ينفقونه في سوق الغباء الغني، فغاية المذهب الحقة تخليص الأدب من القيم الدخيلة عليه، ولم يكن قصاراه أن يقف من الأخلاق والدين موقف التناقض والحق أن نسبة مثل هذه النظرية إلى المفاهيم العلمية، إنما هو من قبيل تحصيل الحاصل، ذلك لأن الدعاة إلى هذه النظرية، وهم قد طبقوها فعلا في كتاباتهم، إنما كانوا يستهدفون غايات بعيدة أعمق أثرًا، ولذلك لم يكن انتسابهم إلى قواعد العلم والفن إلا محاولة لتبرير جوهم الاجتماعي الخاص الذي كانوا يعيشونه فعلا متحررين من قيود الخلق والدين، ذاهبين إلى أبعد حدود الانطلاق، ولم يكن من المعقول أن يمارسوا هذه الحرية، ثم يقفوا من الأدب موقفًا يخالف ما يعتقدون ويمارسون، ذلك أنهم كانوا قد قرؤوا عن بلزاك وجان جاك روسو وإسكندر ديماس، وما كانت تحويه حياتهم الخاصة من فساد ونزق، وكانوا يتطلعون إلى أن يكونوا كذلك هم، وشاعت بين الأدباء في هذه الفترة دعوة تقول ببوهيمية الأدباء، وأن من حق الأدباء مقارفة كل فنون الحياة ليتمكنوا بالتجربة من الحكم على ما يجدونه في الكتب ###20### والقصص، ومن هنا كانت تلك الدعوة إلى"لا أخلاقية الأدب"مظهرًا حقيقيًا وواضحًا وصريحًا في أدب الأدباء وحياتهم في هذه الفترة.